تتدافع البنوك الأجنبية على تركيا، لشراء حصص في البنوك المحلية، منفقة مليارات الدولارات، رغم أجوائها المقلقة، ومفاوضاتها المتعثرة بشأن عضويتها في الاتحاد الأوروبي، والشكاوى المتلاحقة بشأن سوء المعاملة التي يلقاها المستثمرون الأجانب في أروقة محاكمها المحلية.

فخلال العامين الماضيين اشترت مجموعات مثل سيتي جروب وجنرال الكتريك الأميركيتين والفرنسية بي ان بانك باري وناشونال بانك أوف جريس، ومجموعات نيلكوكس البنكية، فورينس، تي اف، ورابو بانك وديكسيا، حصصاً في بنوك تركية. ويمكن إرجاع السبب في ذلك إلى أن عدد البنوك في تركيا يعتبر ضئيلاً، بالنظر لاقتصادها المتسارع نموا في بلد تعداد سكانه 72 مليون نسمة، أكثر من نصفهم لا يتجاوزون الحادية والعشرين من أعمارهم.

وعلى هذا الصعيد، قال «ايفان دي كونشك» المدير التنفيذي في تركيا لبنك وشركة التأمين الهولندية، البلجيكية فوريتس: اننا لو ألقينا نظرة حول العالم، لوجدنا تركيا أكثر الأسواق جذباً، إلى جانب أماكن كالصين وماليزيا. ويذكر أن فوريتس كان دفع في 2005، قرابة 3 ,1 مليار دولار، لشراء بنك «ديسيانك» الذي يتخذ من اسطنبول مقراً له.

وقد أشار دي كونشك، إلى الديموغرافية الشابة للمجتمع التركي، ومعدل نموها الاقتصادي البالغ 6 في المئة خلال السنوات الأربع الماضية، ومستواها المنخفض من الدين. ويقول انه في الوقت الذي وصلت فيه ديون فوريتس في موطنه إلى 120 في المئة، من الناتج الإجمالي المحلي، فإنه يتراوح عند 30 في المئة في تركيا

وتشكل منتجات مثل الرهونات العقارية، التي طُرحت مؤخراً 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ 30 ـ 40 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي في أوروبا الغربية ويقول مستثمرون: إن الإمكانيات الهائلة، تغلب على أي مخاوف إزاء التقدم المتعثر لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

وفي سياق متصل، قال خبراء اقتصاديون إن عضوية الاتحاد الأوروبي، سوف تساهم في تقوية الاستقرار طويل المدى، وإضفاء ضمانة تنظيمية إضافية، والتأكيد على أن الحكومة ستواصل جهودها لضبط الانفاق، وكان الاتحاد الأوروبي جمّد في ديسمبر، ثمانية من أصل 35 جزءاً من طلب انضمام تركيا ويقول كوتشك: إن جميع العناصر الإيجابية الأخرى متوفرة هنا، بغض النظر عن علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي.

ورغم الأجواء المتفائلة، فإن الاستثمار الأجنبي في القطاع البنكي التركي يظل محفوفاً بالمخاطر. فمنذ ست سنوات خلت، ضربت أزمة اقتصادية طاحنة البلاد، الأمر الذي أجبر صندوق النقد الدولي، على انتشالها بحزمة قرض طارئة. ولقد أصيب النظام البنك تحديداً بأفدح الاضرار، مما اضطر الحكومة لإنفاق 47 مليار دولار، أوزهاء ثلث الناتج المحلي الإجمالي، لتعويض المودعين، وإعادة رسملة المؤسسات المالية المتهالكة، واستجابة لذلك، خفضت الحكومة الانفاق العام، ومنحت البنك المركزي صفة الاستقلالية،

وحسنت القوانين التنظيمية البنكية، والاشراف وقد نوّه آخر تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لتحسين نوعية النظم البنكية الحاكمة، والإشراف بدرجة كبيرة ولقد حفزّت الأزمة، تركيا لإطلاق برنامج طموح، واستجاب المستثمرون الأجانب بحماس منقطع النظير.

فعلى امتداد السنوات الأربع الماضية، باعت الحكومة قرابة 200 شركة بما فيها شركة الاتصالات الحكومية، ومصافي النفط، وشركة لتصنيع الفولاذ، وموانئ فقد اشترى تحالف تقوده سيودني أوجيه تيلكوم، بمبلغ 55 ,6 مليارات دولار حصة مسيطرة في تيرك تيلكوم في عام 2005.

كما تغلبت مجموعة النفط والغاز النمساوية «أو إم في» العام الماضي على ستة متزايدين لدفع مليار دولار لقاء 34 في المئة من بترول أوفيسي ولقد ساهمت رغبة متجددة، في أوساط كبرى العائلات التجارية التركية للتخلص من أصولها البنكية، في تدفق الاستثمار الأجنبي.

ولقد قامت عدة عائلات صناعية تركية على مدى سنوات بتشغيل بنوكها الخاصة، للحصول على تمويلات رخيصة لمجموعات شركاتها، وبسبب غياب المنافسة الأجنبية جعلت الصيرفة صنعة مغرية وخير مثال على ذلك، زورولو جروب التركية التي أنشئت عام 1952، كشركة لإنتاج الأقمشة، قبل تفرغها إلى الطاقة والالكترونيات، وفي عام 1997، دخلت مجال الخدمات المالية، بإنشائها ونتربانك. غير أن تجارة التمويل لم تكن العصب الرئيسي لزورولو، فلم يعمل أي فرد من العائلة في البنك.

وكانت هناك مشاعر خاصة، وأسباب تجارية، عدّة حالت دون بيعه حينما بدأت أسعار الأصول البنكية التركية بالارتفاع، وازدياد المنافسة في أوساط الصناعة، وفقا لما قاله ها كان آتس رئيس وينتربانك ومديره التنفيذي.وفي مايو الماضي، عرضت عائلة زورولو، البنك للبيع، ويقول «آتس» انها تلقت أكثر من عشرة عروض من مؤسسات مالية غربية، واشترى ديكسيا البلجيكي 99 في المئة من حصة البنك بمبلغ 23, 3 مليارات دولار. وهو سعر يعادل ضعف سعر سهم البنك وقتذاك.

وفي هذا الصدد، قال آتس إنه كان سعراً مناسباً للبيع مضيفا بأن ديكسيا سيساعده في تقديم منتجات وخدمات جديدة، وتوسعة البنك. وأكد أن عائلة زورولو استخدم السيولة النقدية للاستثمار في حقول تجارية أخرى كالطاقة وخلاصة القول، ان الاستثمارات الأجنبية قفزت في تركيا إلى 4 ,17 مليار دولار في عام 2006، من 8 ,2 مليار دولار فقط منذ عامين سبقاً. ولقد دخلت الأموال حقولاً مثل تجارة التجزئة والسياحة والاتصالات والطاقة غير أن اسخن القطاعات كانت الصيرفة.

غير ان الاهتمام الأجنبي في الاقتصاد التركي سيخضع لاختبار حاسم هذا العام. ففي الوقت الذي ستمضي فيه عملية بيع البنوك الحكومية المجدولة مثل «هالك بانك» قدماً، فإن عملية الخصخصة المخططة لشبكة الكهرباء، قد أرجئت، إلى ما بعد إجراء الانتخابات البرلمانية في شهر نوفمبر وعلى النقيض من الحزب الحاكم، فان المعارضة الوطنية، والعلمانيين متحفظون تجاه عملية بيع السيطرة على الأصول الوطنية إلى الأجانب.

ترجمة ـ وائل الخطيب