تواجه أوروبا منافسة وتحديات من جهات ونوعيات جديدة تتمثل في الإقبال على شراء شركاتها الكبرى. فقد كانت شركة أرسيلو للصلب الأكبر من نوعها في أوروبا، والآن أصبحت نواة لأكبر شركة صلب في العالم إنتاجها يفوق 100 طن سنوياً، بعد أن اشترتها شركة ميتال التي يملكها لاكشمي ميتال رجل الأعمال الهندي.

ويدل ذلك على شيئين أولهما نشاط المساهمين ودورهم، الذي كان نادراً ما يلعبونه في أوروبا، وثانياً والأهم تعمق أوروبا في الاقتصاد العالمي. فكان معنى صفقات الحيازة والاندماج التي تمت في أوروبا خلال التسعينات تحويل الشركات الوطنية الكبرى إلى شركات عالمية، والشركات الأوروبية تدخل الساحة الاقتصادية العالمية سواء عن طريق التوسع بذاتها أو من خلال اندماجها مع شركات عالمية.

وتبع صفقة أرسيلور ميتال بثلاثة أشهر معركة أخرى لحيازة شركة كوراس، وكانت المعركة بين شركة الصلب الهندية تاتا والبرازيلية سي إس ان، وفازت تاتا الهندية في المعركة في 31 يناير ودفعت 7 ,6 مليارات دولار لتصبح خامس أكبر شركة لإنتاج الصلب في العالم. وكانت أول خطوة مماثلة تقوم بها تاتا، من ست سنوات عندما اشترت شركة تتلي البريطانية للشاي.

ومع ظهور شركات جديدة متعددة الجنسيات من اقتصادات مثل البرازيل وروسيا والهند والصين سوف يكون هناك مزيد من هذه الصفقات. وتحاول روسيا الدخول في شركة إيدس الأوروبية للطيران والدفاع واشترت نحو 4% من الأسهم فيها، ومن جانب آخر اشترت ايدس حصة في شركة روسية كبرى للطيران والفضاء.

واشترت موانئ دبي العالمية أكبر شركات الموانئ البريطانية وهي بي أند أو، واشترت سابك السعودية كسارات إيثيلين عملاقة ومصانع بلاستيك فريتيسيد، كانت مفخرة الصناعات الكيماوية البريطانية. وقد لعبت أوروبا من سنوات طويلة دوراً مهماً في الاقتصاد والتجارة العالمية وتوضح الأرقام أن نصف أكبر 30 شركة عالمية تقع في أوروبا (من حيث العائدات). غير أن أوروبا تتخلف في قطاعين مهمين، هما التقنية المتقدمة والعلوم الحياتية.

وهذه صناعات ذات قيمة مضافة مرتفعة لها تأثيرها القوي في الاقتصاد العالمي، ولذلك إذا لم تتقدم أوروبا في هذين المجالين سوف تتخلف عن بقية دول العالم المتقدم. ونقلت مجلة الايكونوميست عن تحليل لمؤسسة مكنزي أن العديد من الدول الأوروبية لديها نسبة من الشركات العالمية مقارنة بعدد السكان، وتتفوق سويسرا مثلاً في ذلك على أميركا.

ويوجد في سويسرا شركات عالمية مثل نسلة وبنك يو بي إس وكريدي سويس، وفي أحد الأوقات لم يكن في مجلس إدارة نسلة أي عضو سويسري. وفي ظل السوق الصغيرة في سويسرا تحتاج الشركات السويسرية دائماً للتوسع عالمياً لتظل باقية ويعكس موقع بريطانيا وبلجيكا وهولندا تراثاً تجارياً استعمارياً لهذه الدول الأوروبية الصغيرة

أما كل من ألمانيا وأسبانيا وإيطاليا والنمسا فهي أقل في المتوسط من الدول الـ 25 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ـ رغم أن ألمانيا لديها 500 شركة متوسطة وصغيرة ذات مكانة عالمية كبيرة، فضلاً عن صناعة سيارات قوية وشركات عملاقة مثل سيمنز وباسف أكبر مجموعة كيماويات في العالم.

إذن لماذا تتفوق أميركا على أوروبا في قطاعات التقنية المتقدمة؟ ولماذا لا يوجد في أوروبا إلا شركات أوروبية في الصناعات الأكثر نضوجاً؟ فقد اختفت شركات الحاسب الأوروبية التي كانت قائمة في الستينات وظلت الشركات الأميركية وفي أحسن الأحوال اندمجت هذه الشركات في مجموعات أقل عدداً.

وتخلت شركات آي سي إل البريطانية وأوليفتي الإيطالية وفيليبس الهولندية عن صناعة تقنية المعلومات، والشركة الوحيدة الأوروبية الباقية في هذا المجال هي تحالف سيمنز مع فوجيستو اليابانية، والشركة الوحيدة الكبرى في البرمجيات هي ساب، فيما تسيطر شركات أميركية أمثال آي بي إم وهيوليت باكرد وميكروسوفت وأوراكل وغوغل على صناعة تقنية المعلومات عالمياً.

ويرى هانز بول بركز رئيس مجموعة بوسطن الاستشارية اختلافاً واضحاً بين أسلوب كل من أميركا وأوروبا، يفسر أسباب نجاح صناعة تقنية المعلومات الأميركية ويقول في السبعينات بدأ كثير من الأميركيين يخرجون من نطاق الصناعة التقليدية ويدخلون مجال البرمجيات وصناعة آلات تقنية المعلومات والتقنية الحيوية.

ويعتقد أن من أكبر العوائق أمام هذه الصناعة في أوروبا هو رغبتها في الحفاظ لى الوضع الحالي. غير أنه رغم هذا التحفظ، ظلت ألمانيا من أكبر الدول المصدرة في العالم وشركاتها تجمع بين المنتجات والخدمات في أنحاء العالم.ومن سنوات قليلة فقط انتقلت صناعة القطارات إلى عدد من الشركات الإقليمية (كانت تحت سيطرة الحكومات). وبعد عدة جولات من الإندماج تسيطر بومبارديه للنقل على هذه الصناعة.

وركزت الشركة نشاطها في برلين وأصبحت فعلياً شركة أوروبية عالمية. وهو مثال آخر على وصول العولمة إلى أوروبا. (شركة بومبارديه للنقل جزء من بومبارديه الكندية للطيران).وقد حذر الكاتب جان جاك سيرفان منذ 40 سنة من أن شركات أميركية عالمية مثل أي بي إم وفورد وجنرال موتورز سوف تنازل الشركات الأوروبية على أرضها، الآن ليست الشركات الأميركية فقط هي التي تنقل المعركة إلى أرض أوروبا، بل شركات من أنحاء العالم، ولا يبدو أن أي شركة أوروبية كبرى ترتقي إلى مستوى هذا التحدي.

ترجمة: أشرف رفيق