لم يخطيء الفنان الكوميدي جيم كاري حين وصفه بـ «بيكاسو السينما»، فالأداء الذي يدهشنا به النجم الكبير نيكولاس كيدج أكبر من أن يوضع بين طيات مقال أو رؤية نقدية تستشف الجمال ولا شيء غيره، ومن يتابع سيرة هذا النجم يجد صورة غرائبية من ناحية إمكانياته العالية في أداء جميع الأدوار؛ بل انه في أحيان كثيرة يتغلب على الدور الذي يلعبه ويتفوق على الكاميرا بإيماءات وحركات وأسلوب لا يكاد يشابهه فيه أحد من الممثلين.

وهاهو اليوم يثبت ذلك في فيلمه الجديد «الدراج الشبح» الذي يعرض حالياً في الإمارات في ذات الوقت الذي يتم عرضه في دور السينما الأميركية. تعود شهرة قصة «الدراج الشبح» إلى اقتباسها من وحي شخصية «فاوست» التي ظهرت في الكتابات الغربية منذ مطلع عصر النهضة. ولم تحظ شخصية في التاريخ بمثل ما حظيت به هذه الشخصية الغامضة، حيث نجد أكثر من 100 ألف عمل بين رواية وديوان وقصيدة وعمل أكاديمي ومسرحية وفيلم؛ اقتبست إبداعها من هذه الشخصية التي أثرت ـ وما زالت تؤثر ـ حتى الآن في العالم فكراً، وفناً، وسياسة، وقد استغلت الصناعة السينمائية الهوليوودية حكاية «فاوست» فأنتجت مئات الأفلام المستوحاة منها، ويعود أول فيلم أنتج عن هذه الشخصية بصورة «الدراج الشبح» إلى عام 1925م.

تبدأ أحداث الفيلم الذي نحن بصدده هنا، بسرد مقتضب لحكاية «دراج شبح» كان يمتطي حصانه في صحراء الغرب الأميركي قبل قرنين من الزمن وهو يسرق العقد السري الذي وقعه مع الشيطان ويخفيه تحت أحد القبور، ثم تنتقل الكاميرا إلى القرن الحالي وسط حلبة لراكب دراجة مغامر مراهق يقوم بحركات خطرة مع والده المصاب بداء السرطان، وتربط هذا المراهق قصة حب بفتاة من مدينته الصغيرة.

ويظهر لهذا المراهق المغامر الذي يدعى «جوني بلاز» شخصية الشيطان ـ لوسيفر ـ وهو يعرض عليه إزالة المرض عن والده المشرف على الموت مقابل توقيع عقد معه ينص على بيع روحه للشيطان، وبحيلة سحرية يتم توقيع العقد، ويصحو الأب في اليوم التالي وهو بصحة جيدة وكأن السرطان كان مجرد زكام عابر وزال.

ولكن الشيطان ينقض عقده في نفس اليوم ويتدخل للقضاء على الأب في حركة مغامرة كان يؤديها، وحين يظهر الشيطان لجوني بلاز مرة أخرى يهدده بقتل حبيبته إن هو تملص من العقد، مما يضطره لهجرها وترك مدينته الصغيرة حفاظاً على حياتها، وتمر السنوات سريعة، وتصبح للمغامر «جوني بلاز» شهرة واسعة في مجال المغامرة والحركات الخطرة، حتى أنه يستطيع بفضل القوة الخفية التي وهبها له الشيطان أن يقفز فوق طائرات مروحية شغالة بمسافة تصل إلى 100 متر.

ويظهر الشيطان مرة أخرى مطالباً «جوني بلاز- نيكولاس كيج» بالوفاء له وتنفيذ العقد الذي ينص على أنه صائد جوائز للشيطان، يرفض «بلاز» بقوة إلا أن الشيطان يجبره على ذلك من خلال تهديده بقتل حبيبته التي تكبر لتصبح صحافية في إحدى وسائل الإعلام ـ النجمة الجميلة إيفا ميندز، وتبدأ الأحداث بالتسارع في جو سحري يؤدي إلى قضاء الدراج الشبح «جوني بلاز» على خصومه وانقلابه على الشيطان.

الفيلم من إخراج مارك ستيف، الذي سبق وأخرج عدة أفلام أسطورية من بينها فيلم «إلكترا» ورافق نيكولاس كيج في البطولة: إيفا ميندز، مات لونج، وأدى دور الشيطان فيه «لورنس ستيل»، أما ما يميز فيلم «الدراج الشبح» عن بقية الأفلام المعروضة حالياً، هو الأجواء الساحرة والمخيلة الكبيرة للمخرج ستيف.

حيث استطاع استخدام الأجواء الغرائبية من خلال تضاريس الغرب الأميركي التي تجمع بين الصحراء والتكوينات البركانية الغريبة، واستطاع المخرج الابتعاد عن الإيقاع الذي تتم به أفلام الرعب -خصوصاً وأن الحكاية تعج بالعديد من مفردات الرعب كالمخلوقات الغريبة وغيرها- كما انه حافظ على التوازن بين الأكشن والرعب والرومانسية لتوصيف الفيلم، فنشأ «الدراج الشبح» كواحد من الأفلام المتكاملة من ناحية الحبكة دون أن يكون له وصف من تلك الأوصاف.

وكانت الديكورات والخدع البصرية منفذة بتقنية عالية لعلها كانت من أبرز إمكانيات الشركة المنتجة «سوني»، أما شريكة نيكولاس كيج في الفيلم «إيفا ميندز» فلم يقل دورها أهمية في إسناد البطل وإضفاء جو من الرومانسية على الفيلم، ولم يغفل المخرج عن اختيار موسيقى أضفت نوعاً من البهجة على المشاهد كانت في جميع محطات الفيلم تستند على مقطوعات من «الروك» وعلى بعض من ألحان «الجاز» التي أعادت المشاهد إلى أزمنة السينما الستينية الراقية.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري