لم يعد مهرجان الفجر السينمائي الذي انطلق بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران بثلاث سنوات، اي في عام 1981، تظاهرة للاطلاع على آخر أعمال السينما وأخبارها والتأريخ للسنة السينمائية الإيرانية، بل تحول إلى مهرجان وطني ليجتمع فيه الاختصاصيون والناقدون والمهتمون لتقويم صناعة السينما وتطورها.
وإذا ما اطلعنا على هدف المهرجان الذي كان «تقديم واختيار الأفلام الجيدة وتقويم وتشجيع الفنانين لأجل تطور الفن وصناعة السينما الإيرانية»، نجد أن المستوى الذي وصل إليه المهرجان، إن من خلال مستوى الأفلام المشاركة والتي تتراوح بين الجيد والجيد جدا.
وعدد الدول المشاركة الذي تخطى ال45 دولة (فرنسا ـ ايطاليا ـ بريطانيا ـ اسبانيا ـ أميركا ـ الصين ـ فنلندا ـ الشيشان ـ اليابان ـ كندا ـ السويد ـ ألمانيا ـ هولندا ـ النمسا ـ بلجيكا ـ رومانيا ـ كوريا الجنوبية ـ ايرلندا ـ استراليا ـ أرمينيا ـ سويسرا...وغيرها) نجد أنه قد تخطى الحدود الإيرانية ليصبح عالميا بكل معنى الكلمة، وليصبح ذا رسالة إنسانية.
ويعتبر المهرجان تظاهرة سينمائية إنسانية تواجه الأفلام الغربية وهوليود، التي تروج للأفلام المثيرة والعنيفة بشكل عام، حيث كانت فئة الأفلام المعنوية هذه السنة من الأجمل والأرقى والأكثر جاذبية بين الفئات كافة التي ضمت أفلاما تعالج الآمال والمخاوف الإنسانية والمستقبل والقضايا المعنوية الملتزمة، وقد قسمت الأفلام بالإضافة إلى الأفلام المعنوية إلى أربع فئات: مسابقة الأفلام الآسيوية.
حيث برز إبداع آسيا الشرقية في الأفلام الآتية من اليابان والصين وكوريا والفلبين، مسابقة الأفلام العالمية التي ضمت بعض الأفلام الرائعة حول القضية الشيشانية والبوسنية، فئة الأفلام الوثائقية والتي ضمت عشرات الأفلام من أميركا اللاتينية، حيث تعرف الجمهور الإيراني إلى شخصيات وثورات تلك البلاد من خلال أفلام (كاسترو ـ سفر إلى تشي غيفارا ـ غابرييل غارسيا ماركيز ـ المعركة التشيلية ـ فيكتور غارا ـ هوغو شافيز...).
ومسابقة الأفلام الإيرانية التي تخطت ال40 فيلما وقد نالت بعض الأفلام الإيرانية الدرجة الأولى حسب رأي الجمهور وهي كالتالي (فيلم (المطرودون) من إنتاج الكاتب (مسعود ده نمكي) ونال 89% من الأصوات) وحصل فيلم (اتوبيس الليل) من إخراج كيومرث بور احمد علي (68% من الأصوات) وحل فيلم(لعبة الدم) للمخرجة الإيرانية رخشان بني اعتماد في المرتبة الثالثة) .
وإما فيلم (أطفال الجنة) للمثلة نيكي كريمي فقد احتل المرتبة الاخيرة) ويعتبر فيلم (المطرودون) وهو من إخراج الكاتب الإيراني (ده نمكي) الذي يعد من الكتاب المتشددين فإن فيلمه الجديد يأتي ليعرض وجهات نظره للواقع السياسي الإيراني والصراع مابين الجيل الأول للثورة والجيل الثالث، والفيلم بالطبع يتعلق بقصة الحرب العراقية- الإيرانية وتداعياتها الاجتماعية علي إيران.
وتدور قصة الفيلم عن علاقة بين فتاة وشاب حيث تشترط الفتاة على الشاب الذهاب إلى الجبهة كشرط للزواج ويقبل الشاب الذهاب إلى الجبهة علي مضض، وبعد ذلك يحصل الزواج لكن رغم ذهاب الشاب إلى الجبهة ألا انه يجد نفسه في نهاية الأمر لم يحصل على شهادة علمية بسبب انشغاله بالجبهة) والفيلم كما يبدو من القضايا التي تعني إيران والجيل الذي عاش وشارك في الحرب الذي ما زال يدفع ضريبة تلك الحرب.
وقد نال هذا الفيلم اكبر الأصوات من قبل الجمهور الإيراني ومن المتوقع ان يحصد جوائز مهمة؛ حيث أكد البعض من النقاد بأن عدداً من الجوائز مثل (أفضل فيلم ـ أفضل إخراج ـ أفضل قصة ـ أفضل ممثل أول ـ أفضل ممثلة ثانوية ـ أفضل ماكياج). سيكون من نصيب هذا الفيلم ومؤلفه ده نمكي الذي مثلت كتاباته التحدي للإصلاحيين خاصة في أفلامه التي انتقدت الشادور الإيراني غير المنضبط والأفلام المبتذلة في الإذاعة والتلفزيون.
ومع الحضور الأجنبي الواسع نلاحظ غياب السينما العربية إلا من بعض الإنتاجات المشتركة مع دول غربية: ومن الأفلام الأجنبية التي اشتركت في مسابقات الفجر فيلم (هاله) و(الرجل الحصيري) و(حياة الآخرين) و(حرب الإله) و(الأسود) وهي الأفلام التي حازت علي أصوات الجمهور حسب التسلل ومعظم هذه الأفلام تعود إلى دول غربية وهي (أميركا واليابان وفرنسا وبريطانيا وايطاليا)..
وبينما أشار بعض النقاد إلى ان هذه السنة سيطرت الأرقام والإحصاءات (أكثر من 400 فيلم طويل وقصير ووثائقي) على النوعية والكيفية أصر البعض الآخر على النظر إلى النصف المليء من الزجاجة ليقول إن هذا المهرجان لا يزال من أهم النشاطات الثقافية والفنية في إيران، وفي الشرق الأوسط، ان لم نقل في آسيا وفي العالم الثالث، خاصة إذا ما لاحظنا انتظار الناس لهذا الحدث وصالات السينما المليئة والصفوف المنتظرة في الخارج برغم الأمطار والثلوج وصقيع طهران الذي صادف مع المهرجان.
وكما يحمل شهر «بهمن» ذكريات الثورة يحمل كل عام المهرجانات الثقافية التي تشغل الناس والمثقفين وطلاب الفنون، وخاصة في العاصمة طهران، فبالإضافة إلى مهرجان الفجر السينمائي كان للمسرح رواده ومشاركوه من كل أنحاء العالم، وذلك في المهرجان الذي استمر كما السينمائي لعشرة أيام، ومهرجان الموسيقى العالمي الذي كرم هذه السنة الملحن العالمي (مجيد انتظامي ).
واستضاف الفرق الموسيقية والاركسترات العالمية. وللسنة (25) لمهرجان الفجر السينمائي أقيم سوق الأفلام الذي توافد عليه 225 وكيلا من 53 بلداً و85 موزعاً ومنتجاً عالمياً، كما وجد في هذا السوق 80 موفداً من المهرجانات العالمية (كان ـ فينيز ـ تورنتو ودمشق)، هذا بالإضافة إلى 124 وكيلا من 35 شركة إنتاج إيرانية .
حيث تم تبادل وبيع الأفلام المهمة المنتجة في السنة الماضية. (سنة سينمائية طويت في إيران تاركة المكان لسنة جديدة ينتظرها بشوق الشعب الإيراني الذي اقل ما نستطيع أن نصفه انه من أكثر شعوب المنطقة اهتماماً وتشجيعاً وامتلاكاً للفنون المختلفة ويكفي المراقب ظناً عندما يلاحظ تلك الصفوف المتراصة للفتيات والشباب وهم في تلهف لشراء تذاكر الدخول للسينما والتهافت الكبير من الجميع).
طهران ـ أحمد حسين
