تتصارع بعض القنوات الفضائية الجديدة للخروج من مأزق المجانية العاطفية التي تروج لها قنوات أخرى والدخول إلى حياة الناس من أضعف نقاطها في: الصحة والرزق والقسمة والنصيب!

وقد شكلت إحدى القنوات فريقَ عمل كاملاً يصل الليل بالنهار وعلى مدار اليوم لتقديم برامج متشابهة من حيث المضمون المذكور ومختلفة نسبياً في طريقة تقديمها التي يتناوب عليها رجال ونساء بألقاب «الشيخ» و«الدكتور» و«الحاج» مستندين على علم «الأوفاق» المعقد في قراءة الشخصية المتصلة وطالعها عبر الماضي والحاضر وحتى المستقبل بتقديم وصفة استشفاء قرآني وطلسمي غامض مع التأكيد على نجاحها.. وهذا هو المهم في هذه البرامج!

الوفق هو الجدول أو المربع ويسمى الخاتم ويتكون من عدد معين من الخانات أفقياً وعمودياً ويجب أن يتوافق عدده وأحرفه ويستوي في الأقطار والزوايا شرط عدم التكرار لإنتاج مفعول سحري مباشر لحامله. وهذا العلم قديم وعرفنا من أعلامه الغزالي وأبو العباس البوني والطوخي وغيرهم.

ويُعد من العلوم السرية التي تواجه الكثير من المشاكل بين صفوة العلماء المسلمين، فمنهم مَن عَدّهُ سحراً حراماً يستنطق الجن والعفاريت ومنهم مَن عَدّه علماً شفائياً لأنه يقوم على آيات قرآنية وحساب الكواكب وقراءة الشخصية على وفق نتائج الأرقام والحروف ودحض فعاليات الجن والعفاريت في جسم الإنسان وما إلى ذلك.

والأوفاق مختلفة بأصولها الثمانية بين أعدادها الرقمية وحروفها العددية؛ ولقد غامرتْ إحدى القنوات بأن كرست أيامها الكاملة تقريباً لشيوخها وحجّاجها وعارفي هذا العلم الغامض لتلقي عشرات ومئات الاتصالات من مختلف الدول العربية والعالمية لنساء ورجال وشباب، وكلهم يبحثون عن الرزق والصحة والخروج من عسر الحال. والذي يتابع أحزان الناس وضعفهم أمام قوى الطبيعة والحياة سيجد أن الأغلبية تتشابه في مشاكلها وتتشابه في بحثها عن أمان حياتها لاسيما ما يتعلق بالرزق والصحة العامة.

لقد تعرفنا كثيراً على مفردات كان من الصعب تداولها بين العامّة ، لكن يبدو أن هذه القناة عازمة على ترسيخ مفاهيم غيبية لدينا كالجذب والربط والقرين والتابعة والاستلباس والترصيد واللمس والتلميس والتوكيل والتسليط والجن والعفاريت والطلاسم والتنجيم والتعزيم والتنزيل والخدم والملوك والفك والتربيط والجفر وبدوح وهولياج وشوعال وميمون ومازر وقصور وأبو الفضل..

كما عرفنا المواد المستعملة في الأوفاق لطرد الجن والشياطين كالخرّوب والخردل والحنتيت والصبر والحنظل والميعة السائلة ولُبان الذكر والطباشير والسذّاب والفجّيل والجاو والسندروس وشجرة مريم والقطران والزعفران، وغيرها من مفردات تدخل في عوالم هؤلاء وبالتالي ستدخل إلى وعي المشاهد مادامت تُكرّس عنوة بهذا الإلحاح المتواصل، حيث سيبحث عنها مادام العلاج بها لا يكلف غير 50 اتصالا فقط ؟

قنوات الأوفاق والجن والعفاريت التي أخذت «مكانتها» بين القنوات العربية الكثيرة تستقطب عشرات الألوف يومياً بلا مبالغة لأننا نرصد انعكاساتها على الآخرين ومن مختلف الشرائح الاجتماعية ونرى حجم المشاركين من كل الدول العربية بلا استثناء.

waridbader@yahoo.com