تلقت «البيان» تعليقاً من وزارة الاقتصاد حول الاستطلاع المنشور في البيان بخصوص قضية الإغراق وفيما يلي نص الرد: إشارة إلى الاستطلاع الذي أعده «البيان الاقتصادي» حول موضوع تأثيرات الإغراق على أسواق الإمارات والذي نشر بتاريخ 11 فبراير 2007،

ونظراً لما أعرب عنه بعض الصناعيين من قلق بشأن تأثير الإغراق على قدرتهم على المنافسة النزيهة في أسواق الدولة، فإن وزارة الاقتصاد ارتأت أن توضح بعض الجوانب المتعلقة بمفهوم الإغراق وآلية الحماية منه، وبدايةً نشير إلى أن الانطباع الذي يخرج به المرء مما جاء في تعليقات الصناعيين في الدولة على هذا الموضوع يبعث على الارتياح لكونه يدل على تنامي وعي القطاع الصناعي بهذا الموضوع الحساس والشائك

خاصة وأن تحليلاتهم جاءت عن دراية وفهم عميق لأحكام اتفاقية منظمة التجارة العالمية بشأن الإغراق وللمسائل الفنية المتعلقة بإثبات الإغراق والإجراءات المضادة له ولحقوقهم بالحصول على الحماية من الممارسات التنافسية غير العادلة سواء في مجرى في إطار منظمة التجارة العالمية أو تحت غطاء اتفاقيات التجارة الحرة.

وبالرغم من تباين المواقف بين الصناعيين بشأن وجود إغراق في الأسواق المحلية من عدمه إلا أنه يلاحظ ورود إشارات عديدة في تعليقات الصناعيين إلى أن الصناعة المحلية تواجه إغراقا تسببه السلع المستوردة كما أبدى البعض تخوفا من أن تؤدي اتفاقيات التجارة الحرة إلى إغراق الأسواق المحلية ببضائع الدول الشريكة في اتفاقيات التجارة الحرة لأسباب نسبت لضعف في مقدرة المنتجات الوطنية على المنافسة من حيث الجودة والسعر ولذلك تكررت دعوة الصناعيين لتحسين جودة المنتج الإماراتي وتعزيز قدرته التنافسية .

ونقول ان من الآثار والفوائد الناشئة عن تخفيض أو إزالة الرسوم الجمركية سواء في إطار منظمة التجارة العالمية أو من خلال اتفاقيات التجارة هو توفر السلع للمستهلك بأسعار تنافسية. إلا أنه من الخطأ توقع أن تؤدي اتفاقيات التجارة الحرة إلى إغراق السوق المحلي لأن نسبة الرسوم المطبقة في الدولة هي نسبة متدنية 5%

ولا يتوقع أن يؤدي تخفيضها المتدرج أو إزالتها إلى زيادة كبيرة في الواردات الأجنبية لضعف تأثيرها في سعر المنتج خصوصا وأن كل اتفاقيات التجارة الحرة تتضمن آليات تسمح باتخاذ تدابير ضد الواردات الاغراقية أو المدعومة بالإضافة إلى تدابير الوقاية.

وقد وردت أيضا إشارات إلى احتمال حصول تحول في التجارة نتيجة لاتفاقيات التجارة الحرة بالمعنى الذي يؤدي إلى انتقال حجم التبادل التجاري من المورد الأقل كلفة والأكثر كفاءة من خارج منطقة التجارة الحرة إلى مورد أكثر تكلفة وأقل كفاءة داخل منطقة التجارة الحرة.

ونحن لا نتوقع حصول هذا الأمر لاتساع رقعة شبكة اتفاقيات التجارة الحرة التي يجري التفاوض بشأنها حاليا في إطار مجلس التعاون الخليجي والتي، بالإضافة إلى منطقة التجارة الحرة العربية، تشمل عددا كبيرا من الدول المتقدمة والمتحولة اقتصاديا «Economies in transition» والنامية وتمتد جغرافيا من أميركا اللاتينية إلى أوروبا وشرق آسيا وربما استراليا ونيوزيلانده لاحقا وهذا الأمر يتيح خيارات كبيرة للمورد والمصدر على حد سواء، ويحد بشكل كبير من حدوث ظاهرة تحويل التجارة.

وبالنظر إلى أن الأثر السلبي للإغراق يتمثل في كونه يسمح للمصدر الأجنبي بالتمتع بميزة تنافسية غير عادلة في السوق المحلي بما يضر بقدرة المنتج المحلي المثيل على المنافسة في سوقه المحلية، بالإضافة إلى الانعكاسات السلبية الأخرى على فرص الاستثمار والتشغيل في الدولة.

ولأن الانطباع الذي تجلى في تعليقات المصنعين على موضوع الإغراق يوحي بأن هنالك حالات إغراق كثيرة تواجههم فلا بد من الإشارة هنا إلى أن مجرد اعتبار وجود سلع مستوردة رخيصة الثمن تباع بكثرة في السوق المحلي ليس بالضرورة دليلا على حالة إغراقية، وقد ارتأينا ضرورة توضيح مفهوم الإغراق وآليات الحماية منه من خلال القانون الموحد لمكافحة الإغراق لدول مجلس التعاون الخليجي الذي يستند على اتفاقية مكافحة الإغراق في منظمة التجارة العالمية، والتي تتطلب أربعة شروط أساسية لاتخاذ إجراءات ضد سلعة مستوردة إغراقية:

- التحقق من وجود الإغراق: وذلك عندما يتم فتح تحقيق رسمي من قبل السلطة المختصة في الدولة، نتيجة لشكوى المنتجين المحليين وطلبهم الحماية من الضرر الذي تسببه سلعة مستوردة مثيلة لمنتجهم لكون سعر بيعها للتصدير إلى السوق المحلي في الدولة هو أدنى من السعر الذي تباع به في أسواق البلد المنتج لها.

- إثبات وجود الضرر المادي على الصناعة المحلية : يجب الإثبات أن السلع المدعى بأنها إغراقية قد سببت أو تهدد بالتسبب بضرر مادي للجزء الأكبر من الصناعة في الدولة مثل خسارة حصتها في السوق المحلي أو أن ينتج عن ذلك أسعار متدنية للمنتجين وآثار سلبية على تدني حصتهم في السوق وعلى تقليص حجم العمالة وعلى تدني الأرباح والتشغيل واستغلال الطاقة الإنتاجية وتراكم المخزون وما إلى ذلك.

- وجود زيادة كبيرة في الواردات الإغراقية: إثبات وجود زيادة كبيرة في الواردات من السلعة الإغراقية سواء بحجمها المطلق أو بالنسبة للإنتاج أو للاستهلاك في الدولة تشكل ضرراً مادياً على الصناعة المحلية.

- العلاقة السببية: أن يثبت وجود علاقة سببية مباشرة بين السلع الإغراقية والضرر الحاصل أو الذي تهدد بوقوعه على الصناعة المحلية. ولابد من الإشارة هنا إلى أن المتطلبات الإجرائية لإثبات الإغراق ليست بسيطة وتتطلب التعاون الوثيق بين المصنعين والهيئات الممثلة لهم والجهات الرسمية ذات العلاقة في الدولة.

وقد حدد القانون الموحد لمكافحة الإغراق والتدابير التعويضية والوقائية لدول مجلس التعاون الخليجي ولائحته التنفيذية المتطلبات الإجرائية التفصيلية للبدء في التحقيق من وجود الإغراق واتخاذ التدابير المضادة بشأنه، والتي تتلخص في:

الشكوى من وجود الإغراق: يجب أن يرفع المتضررين شكوى للجهات المعنية بالدولة بشرط أن يبلغ مجموع إنتاج المتضررين 50% فأكثر من مجموع الإنتاج المحلي للسلعة المماثلة، مدعمة بالأدلة والقرائن المتوفرة لديها على وجود الإغراق أو الزيادة غير المبررة في الواردات مع تضمين الشكوى للأضرار التي لحقت بها من جراء السلع الإغراقية والعلاقة السببية بين السلع الإغراقية والضرر المدعى به.

تقوم الجهات المعنية بالدولة برفع الشكوى إلى اللجنة الدائمة لمكافحة الممارسات الضارة في التجارة لدول مجلس التعاون والتي تصدر قرارها خلال سبعة أيام ، إما بقبول الشكوى وتشكيل لجنة للتحقيق فيها ـ إذا وجدت بأن البيانات والمعلومات والأدلة والقرائن المقدمة في الشكوى كافية لإجراء التحقيق،

ومن ذلك أن لا يقل إجمالي إنتاج المنتجين المتقدمين بالطلب عن 25% من إجمالي إنتاج الصناعة المحلية من المنتج المماثل، ـ أو أن ترد الشكوى لعدم اكتمال البيانات والمعلومات المطلوبة لبدء التحقيق أو أن ترفض الشكوى لعدم جديتها. وهنا يتوجب على لجنة التحقيق دراسة الشكوى وتحديد مدى دقة وكفاية الأدلة المقدمة وأن ترفع تقريراً إلى اللجنة الدائمة ، خلال (30) يوماً من تشكيلها، يتضمن توصياتها بحفظ الشكوى أو ببدء التحقيق فيها .

يتعين بعد ذلك على اللجنة الدائمة اتخاذ قرارها إما بحفظ الشكوى أو بدء التحقيق وخلال (30) يوماً من تبلغها قرار لجنة التحقيق ويتم إعلان القرار بشكل رسمي خلال عشرة أيام من صدوره ويعتبر ذلك تاريخ بدء احتساب فترة التحقيق.

ويجب أن يتضمن الإعلان معلومات مفصلة حول السلعة الاغراقية والمحلية المثيلة وأسماء وعناوين الشاكين وملخص المعلومات التي استند إليها الإدعاء بالإغراق وعنوان رئيس لجنة التحقيق والأمانة الفنية والجدول الزمني لإجراء التحقيق وغير ذلك من التفاصيل بالإضافة إلى:

إشعار حكومة الدولة أو الدول المعنية المنتجة للسلع الإغراقية ، وقبل السير في بدء التحقيق، بالشكوى التي تم قبولها بناء على الأدلة المقدمة في طلب الحماية من الإغراق.توجيه استبيان بأسئلة تهدف لجمع المعلومات والحقائق والأدلة التي تمكن اللجنة من اتخاذ القرارات بشأن الشكوى وتمكين الجهات المدعى عليها من الرد على الشكوى بتقديم المعلومات التي تبرر أسعار منتجاتها وخلال (30) يوماً من تاريخ إرساله.

ومن الضروري هنا ملاحظة أن اتفاقية منظمة التجارة العالمية قد حدد الإطار الزمني للانتهاء من التحقيق في الإغراق بفترة (12) شهراً والتي يجوز تمديدها (6) أشهر إضافية في حالات استثنائية وهو ما يعكسه القانون الموحد. وكذلك فقد حدد القانون الموحد لدول المجلس أطر زمنية لإصدار التقارير بشأن التحقق، إذ يتوجب على لجنة التحقيق إصدار تقرير مفصل بما توصلت إلية خلال (90) يوما من تاريخ إعلان بدء التحقيق وإن تمكن كافة الأطراف ذات العلاقة من الإطلاع عليه.

وبناء على النتائج الأولية للتحقيق تقوم اللجنة الدائمة إما بإنهاء إجراءات التحقيق إن لم يثبت وجود دليل على ممارسة الإغراق، أو الإيعاز للجنة التحقيق للمضي في إجراءات الحماية من الإغراق بما في ذلك عقد جلسات استماع لإتاحة الفرصة للأطراف ذوي العلاقة للدفاع عن مصالحهم.

وأما التفاصيل الفنية المتعلقة باحتساب هامش الإغراق وهو الفرق بين سعر البيع للتصدير إلى الدولة للسلعة الإغراقية والسعر العادي لها في بلد إنتاجها والذي بدوره يتطلب احتساب سعر التصدير والقيمة العادية للسلعة الإغراقية فهي عملية ليست بسيطة ودقيقة تحددها شروط متعددة لضمان الوصول إلى هامش الإغراق بشكل موضوعي لان تحدد نسبته هي التي تحدد مصير التحقيق والدعوى بشأن الإغراق،

إذ ينص القانون الموحد واتفاق منظمة التجارة بشأن الإغراق على إنهاء التحقيق إذا وجد بأن هامش الإغراق يقل عن 2 % من سعر التصدير أو إذا كان حجم الواردات المغرقة يقل عن 3 % من واردات الدولة من المنتوج المماثل ما لم تكن هنالك مجموعة بلدان متسببة بالإغراق تمثل حصة كل منها أقل من 3 % من واردات الدولة من المنتوج المماثل ولكن الواردات من السلع الإغراقية بحيث يكون مجموعها أكثر من 7 % من واردات الدولة الإجمالية من هذه السلع.

وأما الخطوات النهائية في عملية التحقق من الإغراق وإثباته فتكون بتوصية اللجنة الدائمة إلى اللجنة الوزارية بفرض رسوم جمركية لا تتجاوز نسبتها مقدار هامش الإغراق وتفرض لمدة أقصاها خمسة سنوات يجوز، إذا ثبت بقاء نفس الظروف والأسباب التي دعت إلى فرضها قائمة، تجديدها إلى خمس سنوات أخرى. ويمكن، كإجراء بديل عن فرض الرسوم الجمركية، إتاحة الفرصة للمصدرين تقديم تعهدات سعرية يلتزمون فيها بزيادة أسعار صادراتهم الاغراقية بمقدار هامش الإغراق .

ونظراً لطول مدة التحقق فقد أتاح القانون للجنة الدائمة فرض إجراءات مؤقتة لمكافحة الإغراق في صورة رسم مؤقت أو إيداع نقدي لا يتجاوز هامش الإغراق يفرض بعد مضي (60) يوماً على الأقل على بدء التحقيق في الإغراق وتوصل اللجنة إلى نتائج أولية تشير إلى وجود الإغراق ويمكن فرض هذه التدابير لمدة أقصاها ستة أشهر وتمدد إلى مدة أقصاها تسعة أشهر إذا قل الرسم المفروض عن هامش الإغراق.

إذاً لا يمكن القول بوجود حالات إغراق في الدولة دون إثبات ذلك، ولذلك يتوجب على المصنعين في الدولة اللجوء إلى الشكوى للسلطات المعنية للتحقق من وجود الإغراق من عدمه وهو الحل الوحيد لمعالجة حالات الإغراق. وفي حالة ثبوت الإغراق على ضوء التحقيقات التي تجريها الدولة بهذا الخصوص، حينئذ فقط يمكن لهذه السلطات اتخاذ الإجراءات الملائمة لمعالجة هذا الإغراق.

ونظراً لوجود احتمال كبير للخلط بين الإغراق وبين ما يمكن أن يشكل وضعاً تنافسياً مشروعاً جاءت اتفاقية منظمة التجارة العالمية حول الإغراق متضمنة للعديد من الشروط والإجراءات الدقيقة والمفصلة التي يتعين استنفاذها قبل اتخاذ الإجراءات المضادة لحالات الإغراق حرصاً منها على عدم الإخلال باستقرار المعاملات التجارية الدولية وهذا ما تضمنه القانون الخليجي الموحد لمكافحة الإغراق.

وهو نفس المنطق الذي يحكم اتفاقيات التجارة الحرة الذي يتجلى الهدف الأساسي منها هو جعل الموارد المنتجة داخل منطقة التجارة الحرة أكثر إتاحة من تلك التي تنتج خارجها، وذلك يشكل جوهر المعاملة التفضيلية التي يستند إليها هذا النوع من الاتفاقيات.

وعليه، يكون من الضروري لجوء المصنعين إلى الجهات المعنية في الدولة للتحقق من وجود حالات الإغراق إلى جانب عملهم على تحسين جودة منتجاتهم لرفع قدراتها التنافسية. وغير غريب ولا صعب على دولة الإمارات، على غرار تجاربها الإنتاجية الرائدة في عدد من القطاعات الصناعية، أن تنجح في تحقيق متطلب الجودة من خلال استعمال أحدث الأساليب العلمية والفنية والتكنولوجية المعمول بها على الصعيد العالمي لضمان جودة المنتجات الصناعية المحلية.

ناهيك عن الميزة النسبية - Comparative Advantage التي تتوفر لديها ولا يمكن أن تتوفر لمنافسيها إلا بتكلفة عالية، ومثال ذلك المستوى المنخفض نسبياً لتكلفة الطاقة والمستوى المتقدم لبنيتها اللوجستية في القطاع الصناعي.