لا يرى الجنود الإسرائيليون الذين ترتعد فرائصهم في فيلم المخرج جوزيف سيدار الجديد «بوفور» أعداءهم لكن أعصابهم مشدودة إلى حد الانهيار بسبب انفجارات صواريخ حزب الله التي تمطر معقلهم الجبلي يوميا، فيما يبدو دورة لا نهاية لها من العنف غير العقلاني.
يدافع الجنود الشبان عن موقع في قلب جنوب لبنان وهو موقع قلعة الشقيف «قلعة بوفور» التي ترجع إلى عهد الممالك الصليبية في العصور الوسطى والتي صارت رمزاً قوياً لسيطرة إسرائيل على جنوب لبنان عقب اجتياح عام 1982.
ويمثل انسحاب إسرائيل في شهر مايو 2000 من جنوب لبنان بعد احتلال دام 18 عاما خلفية فيلم سيدار الملفت الذي يستكشف فيه الإشكالية الأخلاقية لدى الجنود في أزمنة الحرب بينما يبعث برسالة أوسع نطاقا بشأن عبثية الحرب نفسها.
وقال سيدار للصحافيين في مهرجان برلين السينمائي حيث يعرض لأول مرة الفيلم الذي شاركت الحكومة الإسرائيلية في تمويله ان الفيلم «يعامل الحرب ككارثة طبيعية أو قوة الطبيعة. وأضاف قائلا: «لا يوجد عدو أو أنت لا تراه. والصواريخ تسقط كالمطر. قد تكون هذه أي حرب في أي مكان».
ويلعب الممثل الإسرائيلي أوشري كوهين دور «ليراز» قائد الموقع البالغ من العمر 22 عاما والذي يتعين عليه أن يكبت خوفه وجنوده يتداعون ببطء من حوله تحت وطأة هجمات الصواريخ اليومية على المتاهة الخانقة من التحصينات في قمة التل.
ولا يملك ليراز سوى ان ينظر بعجز وهو يرى كيف يتم اصطياد رفاقه الذين ينتظرون بفارغ الصبر الضوء الأخضر من الحكومة لمغادرة القلعة الاستراتيجية على قمة التل واحدا فواحد.
ولا يتمكن من رفع الحاجز الذي أحاط به مشاعره حتى يحافظ على تماسكه الشخصي إلى ان يفجر الناجون المجمع الاسمنتى الذي مات اصدقاؤهم دفاعا عنه وينسحبوا بأمان من الأراضي اللبنانية.
واكتمل تصوير «بوفور» في من الأراضي اللبنانية يونيو 2006 قبل شهر من عودة إسرائيل إلى دخول لبنان في حرب جديدة قتل فيها زهاء 1200 لبناني و159 إسرائيليا قبل التوصل إلى هدنة في 14 أغسطس.
ويظهر الفيلم تحولا في نظرة الإسرائيليين إلى جيشهم الذي كان لفترة طويلة قوة دافعة للوحدة الوطنية يحتفى بانجازاتها ضد الخصوم العرب بغض النظر عن مدى دموية تلك الانجازات.
وقال سيدار المولود في الولايات المتحدة لكنه قضى جانبا كبيرا من فترة خدمته العسكرية الالزامية في الجيش الإسرائيلي يتفادى كمائن حزب الله في «المنطقة الأمنية» بجنوب لبنان «نحن جميعا إلى حد بعيد في غمرة صراع عنيف يمس حياتنا اليومية. «ثمة صيحة هنا.. لدينا صرخة استغاثة». وتعرض «بوفور» للانتقاد في إسرائيل لأسباب من بينها أن بعض المشاركين فيه تفادوا أداء الخدمة العسكرية الإجبارية.
ويتجسد في قلب الفيلم الصراع الداخلي في نفوس الجنود بين عبث مهمتهم وشعورهم بالواجب.
فقد جاء الرجال الخائفون القابعون على قمة التل المنعزل إلى بوفور وهم مقتنعون بأنهم يقاتلون من أجل قضية عادلة ونبيلة. لكن كما يقول أحد الشخصيات الرئيسية للقادمين الجدد وهو يطل من القلعة القديمة على السهول الصخرية المهجورة في الأسفل (عندما تمكثون هنا فترة كافية تتغير الرؤية وترون الأمور بشكل مختلف).(رويترز)
