أثارت قضية الدين العام في ألمانيا جدلاً دستورياً كبيراً خلال الفترة الأخيرة. وقال محللون إنه كان بوسع المستشارة الالمانية أنجيلا ميركل أن تتولى بنفسها الرد على الدعوى التي رفعتها هي شخصيا عندما كانت في المعارضة ضد الموازنة التي أراد الائتلاف الحكومي بزعامة المستشار السابق جيرهارد شرودر اعتمادها عام 2004،
ذلك الطلب الذي نادى بالنظر في مدى تماشي الميزانية مع الدستور. ومع ذلك فقد كلفت الحكومة الحالية وكيل وزارة المالية كارل ديلر الاشتراكي الديمقراطي بتولي هذه المهمة ضد كل من الحزب المسيحي الديمقراطي، الحليف الحكومي الحالي، والحزب الديمقراطي الحر.
ولم تستطع هذه التركيبة الغريبة أن تحجب حقيقة أن المحكمة الدستورية العليا تواجه مشكلة القرن عند النظر في قضية انسجام حجم الاستدانة مع الدستور الالماني فهل تجد المحكمة إجابة على التساؤل عما إذا كان الدستور الالماني يمتلك وسيلة فعالة «لكبح» السقوط في هاوية الديون اللانهائية.
من ناحية المبدأ فإن المحكمة الدستورية العليا تمتلك وسيلة لمنع ذلك ولكن هذه الوسيلة لم تفلح حتى الان حيث بلغ حجم الدين العام في جميع الموازنات الالمانية 5,1 مليار يورو وبلغت قيمة الفوائد السنوية لهذه الديون وحدها 40 مليار يورو. ويرى نائب رئيس المحكمة الدستورية القاضي فينفريد هاسمر أن حجم الديون بلغ مستوى يقتضي التفكير في التداعيات الدستورية لهذه الديون.
وتشير القاضية ليركه اوسترلو عضو المحكمة إلى أن الاداة التي تسمح للمحكمة بالنظر في مدى انسجام الموازنة العامة مع الدستور ترجع إلى عامي 1967 و1969 عندما كان الدستور يقضي بأن تكون الموازنة «منضبطة» بشكل لا تورث ديونا للاجيال القادمة قبل إدخال إصلاحات على الميزانية والنظام المالي بدت معها «الميزانية المنضبطة» مسألة عفا عليها الزمن.
وقالت إن أعضاء البرلمان الألماني الذين أرادوا إدخال تعديلات على الدستور آنذاك اتبعوا نظرية العالم الاقتصادي الشهير جون ماينارد كينيس القائلة بأن «النمو الاقتصادي المصاب بالمرض» يقتضي اتخاذ إجراءات قد تبدو غير منطقية مثل الاستمرار في الاقتراض وقت الازمات المالية.
وأدى ذلك إلى اعتماد المادة 115 في الدستور والتي تقضي بألا يزيد حجم الديون عن قيمة الاستثمارات الحكومية ولكنها تسمح باتخاذ إجراءات استثنائية لمنع «حدوث خلل في التوازن الاقتصادي العام». ويرى هاسمر نائب رئيس المحكمة الدستورية أن هذه «التعبيرات الفضفاضة» أعطت الفرصة للحكومات الالمانية المتعاقبة للاقتراض لتمويل «الهدايا التي كانت هذه الحكومات تقدمها للشعب عقب نجاحها في الانتخابات».
وترى قاضية المحكمة الدستورية اوسترلو أن نظرية كينيس تقادمت «حيث يتمنى الكثيرون العودة إلى زمن الميزانية المنضبطة». ويقول الخبراء إن البنود الحالية في الدستور تسمح بهذه العودة ولكن إذا عدلت التعبيرات الخاصة بذلك لتصبح أدق حيث يرى رئيس الهيئة الاتحادية للمحاسبات ديتر انجلز أن لفظة «استثمارات» الواردة في الدستور لا علاقة لها بالتوصل إلى «قيم ثابتة للاجيال القادمة».
ويرى انجلز أن الفهم الصحيح لهذه اللفظة كان كفيلا بضغط الحد الاقصى المسموح به للاستدانة في الميزانية خلال السنوات الثلاث الماضية بمقدار خمسة مليارات يورو سنويا. ويضيف أن «الاستثناء المزعوم» الذي يسمح بتخطي الحد الاقصى للاستدانة لمنع حدوث خلل في التوازن الاقتصادي العام أصبح منذ زمن بعيد «قاعدة ثابتة» حيث استخدم سبع مرات منذ عام 1996.
فقد تم على سبيل المثال اعتماد قروض جديدة بقيمة 5, 43 مليار يورو عام 2004 في حين لم يتجاوز حجم الاستثمارات 6 ,24 مليار يورو في العام نفسه.وقد لا تكون المحكمة الدستورية العليا بريئة تماما من هذا التطور. فرغم أنها حثت الساسة الالمان عام 1989 على التزام الامانة في التعامل مع الحد الاقصى للاستدانة إلا أنها أعطت المشرعين مجالا لتقدير هذا الحد بأنفسهم مما حدا بحكماء الاقتصاد في ألمانيا من أمثال برت روروب إلى الدعوة لايجاد وسائل فعالة لكبح الاستدانة.
(د ب أ)