بينما كنت جالساً في المنزل أتصفح الجرائد اليومية جاءتني ابنتي وقالت لي «ما رأيك يا أبي في أن نذهب في رحلة إلى إحدى إمارات الدولة». فقلت لها: هذه فكرة جيدة ولكن دعيني أفكر في الأمر. وبعد تفكير قلت في نفسي: إن هذه فرصة لتعليم أفراد أسرتي إحدى المهارات الحياتية الواجب علينا كأولياء أمور أن نعلمها لأبنائنا وبناتنا ألا وهي التخطيط.
لذلك، جمعت أفراد الأسرة وقلت لهم بأنني موافق على الذهاب في هذه الرحلة، ولكن لا يوجد هناك شيء بالمجان، وسألوني عما أقصده، فقلت لهم: في البداية أريد منكم أن تقوموا بإعداد خطة يحدد بها الهدف من هذه الرحلة، والمكان الذي نريد الوصول إليه، والأماكن الراغبين في زيارتها، والوسائل التي سنستخدمها للوصول لتلك المنطقة، واللوازم الضرورية الواجب أخذها معنا لقضاء عدة أيام في تلك الإمارة، ولكن لا تفعلوا مثلما فعل عجول بن غير منظم.
وفي أحد الأيام جاءني يسلم عليّ ويقول لي سوف أذهب إلى بريطانيا بعد غد. فقلت له: وأين ستقطن؟ فقال: لا أدري «يوم بوصل بدور على فندق». وقلت: ألا تعلم أن الكثير من السياح يذهبون إلى لندن في فترة الصيف؟ فقال: «ما عليك، الفنادق على قفا من يشيل ومن ثم سألته: هل حددت الأماكن التي ستزورها ؟ والميزانية التي ستحتاجها هناك ؟ قال لي: سأذهب هناك لمدة شهر «ولما تخلص الفلوس برجع».
قلت في نفسي «الله يستر» فهذا هو عجول بن غير منظم سوف يذهب إلى بلاد غربية في وقت الحصول فيه على سكن هناك غير يسير، ولا يعرف كم سيمكث هناك ! ولا الأماكن التي سيزورها إلا المراكز التجارية والمقاهي! وستكون أسرته معه، سيذهب لمكان دون تخطيط وأنا على يقين بأنه سيكون في وضع لا يحسد عليه حينما يصل إلى هناك.
لذلك يا أبنائي؛ يجب علينا وضع خطة واضحة الملامح تحدد فيها الجهة التي سنذهب إليها، والأماكن التي سنزورها، والفترة التي سنقضيها هناك، ووسيلة النقل التي سنستخدمها، والميزانية المخصصة لهذه الرحلة. وبعد يومين قاموا بإعداد خطة متواضعة مع بعض التوجيهات وقمنا بمناقشتها حتى وصلنا إلى نقطة التكاليف حيث بلغت تكلفة الرحلة 4000 آلاف درهم فقلت لهم من عندي سأدفع 1500 درهم
وقالت والدتهم: وأنا سأدفع من عندي 1000 درهم، وبما أن الرحلة للجميع فعلى الجميع أن يشارك. وبالفعل قام الأطفال بالذهاب والبحث عن حصالاتهم وتم تجميع مبلغ 1000 درهم، فتجمع لدينا مبلغ 3500 درهم. قلت لهم: لا أستطيع أن أدفع المبلغ المتبقي ؛ ويجب عليكم أن تعملوا للحصول على هذا المبلغ،
واقترحت عليهم اقتراحاً بعمل لوحة فنية أو كتابة موضوع تعبير أو تعليم شخص آخر احد برامج الكمبيوتر ؛ لأقوم بإعطائهم مكافأة مالية وكان المقصود من هذا الأمر أن على الإنسان أن يتعلم كيف يكسب الدرهم بشرف ؛ فمن السهل علينا أن نصرف النقود ولكن من الصعب أن نعلم أبناءنا كيفية الحصول عليها، وتم جمع المبلغ المطلوب وذهبنا.
بدأت بهذه القصة التي حصلت لي وهي عبارة عن رحلة أقوم بها مع أفراد أسرتي إلى إحدى إمارات الدولة لأشير إلى أننا بالتخطيط حددنا وجهتنا، واتفقنا على الأماكن التي تجب زيارتها، وتحديد مواقعها، والمصادر المالية التي سنحتاجها في رحلتنا، وهذا كله من اجل رحلة لعدة أيام في إحدى إمارات الدولة ولم نفعل مثلما فعل عجول بن غير منظم. فما بال الأفراد والشركات الذين لا يخططون ! والذين على مقتبل منافسة شرسة من قبل شركات عملاقة لها باع طويل في بحور التخطيط.
إنّ الكثير من الأفراد والمؤسسات يعملون دون تخطيط وعندما تسأل احدهم: ماذا تريد أن تكون خلال عشر سنوات؟ ينظر إليك بتعجب ويقول: «حيين ميتين لين ذاك اليوم». صحيح أنّ الأعمار بيد الله سبحانه، ولكن على الإنسان أن يعمل ويضع أهدافاً لنفسه لتحقيق الرؤية المستقبلية الخاصة به إن وجدت، ويضع خطة محكمة للوصول إلى ما يريد. جميعنا يرى اللاعبين في مباريات الدوري العام يلعبون وفق خطة محكمة يضعها المدرب. ويشرك الفريق في إعدادها، والفريق الذي تكون خطته أفضل ويلتزم لاعبوه بتنفيذ الخطة يتحقق له الفوز.
والخطة يمكن أن تعدل فهي ليست شيئاً مقدساً لا يتغير بل يجب أن تتغير حسب المتغيرات والتطورات الجديدة وهذا بحد ذاته يتطلب نظرة فاحصة وثاقبة وبشكل مستمر للمتغيرات للبقاء في خضم المنافسة ولذلك نرى أن بعض المدربين يدفع بلاعب بديل لإخطار الفريق بالتغيير وبذلك ينتصر الفريق أو يحقق ما يريد وهؤلاء هم ما يسمون بـ (وسطاء التغيير) ولهم مواصفات معينة يجب أن يتم اختيارهم بعناية من المؤسسة،
ويجب أن يكون لديهم قناعة بأهمية التغيير لصالح الجميع فهم من ينقلون خبر التغيير في المؤسسة إلى العاملين فيها ويوصلون آراء الأفراد ومقترحاتهم إلى الإدارة العليا للمؤسسة ؛ لضمان إشراكهم في الأمر والمسؤولية كما فعل كارلوس غصن الرئيس التنفيذي لنيسان
حيث علم منذ البداية ان مشاركة جميع الأفراد في المؤسسة أساس نجاح عمله ولذلك قام بتشكيل ما يسمي (Cross Functional Teams) للمساهمة في استقراء آراء الآخرين العاملين في المؤسسة وتعريفهم بما يجرى والاستفادة برأيهم وبمساهمتهم في وضع الخطة، فقام الفريق المشكل من أقسام وإدارات مختلفة بعمل خطة خاصة بـ (نيسان) وقد تكللت بالنجاح.
التخطيط هو وسيلة للوصول إلى ما نريد في المستقبل دون أخطاء أو عثرات أو مفاجآت لم تكن في الحسبان.التخطيط يساعدنا على التوقع والاستعداد لما قد نواجهه في المستقبل. إنّ غياب الإرشاد المهني والوظيفي لطلبتنا قبل دخولهم الجامعة يؤدي إلى تخرجهم بتخصصات لا تتوافق مع متطلبات سوق العمل مع العلم بأن هؤلاء الطلبة تخرجوا بمعدل متميز وكانوا نشيطين في الجامعة ويفاجأون بأن المؤسسات لا ترغب في توظيفهم لأن التخصص غير مطلوب وغير مرغوب به.
وأتساءل: هل ما يهم هو المعرفة والمهارة أو تخصص هذا الإنسان أم سلوكه تجاه العمل ورغبته في التعلم والتعامل مع الآخرين ؟ يمكن للإنسان أن يتدرب ويصبح متميزاً في عمله إن توافرت بيئة العمل المناسبة والخطة الواضحة بعيدة الأمد في استقطاب هؤلاء الأفراد وتطويرهم للارتقاء بقدراتهم ومهاراتهم من قبل المؤسسة. إنّ التدريب والتطوير ليس دورة تدريبية يتم الانتهاء منها بانتهاء البرنامج التدريبي؛ وإنما هي تدريب وتطوير مستمر نابع من قناعة الفرد والمؤسسة الداخلية بأهمية التدريب.
إن الكوادر البشرية المواطنة يجب أن يكون لها جانب من هذا الاهتمام ؛ فلا أتوقع من الخريج الجديد الخبرة الكافية والدراية التامة لأداء العمل، ولكن بوضع خطة توضح المسار المهني لهذا الفرد ومكانه في المؤسسة خلال فترة معينة من الزمن نجد بعدها جيلاً من الشباب القادر على أداء العمل بشكل متقن (وبنكهة محلية). إنّ المؤسسات التي تنتهج هذا الطريق سيكون لديها كادر من الموظفين المدربين القادرين على أداء المهام وستبقى بقوة وستتمكن من مواجهة التحديات المستقبلية والتنافسية.
ماذا نريد أن نكون؟ إنّ المؤسسات القادرة على الإجابة عن هذا السؤال بواقعية هي المؤسسات التي تستطيع أن تقوم بالتخطيط؛ لأن لها وجهة محددة نحو المستقبل حيث رسمت لنفسها مكاناً في المستقبل وسخرت كل الإمكانيات اللازمة للوصول إلى هذه الوجهة فأصبحت رؤيتها واضحة.
إنّ هناك العديد من المؤسسات التي تحسب أن لديها خطة، ولكنها عبارة عن كلمات رنانة أو لا تعبر عن طموح واقعي لما تريد أن تحققه ؛ فهذه الخطة قد تكون أعدت من قبل فرد أو فردين من دون إشراك باقي أفراد المؤسسة مما يؤدي إلى خسران هؤلاء الأفراد بشعور الملكية تجاه الخطة(Ownership)،
إن إدراك هذه المؤسسة الفعلي لأهمية كوادرها البشرية واستشعارهم بالملكية أساس نجاح الخطة وإلا أصبح مصيرها في أدراج المكاتب المغلقة.التخطيط السليم ليس ترفا أو أمراً محصوراً على أشخاص محددين ذوي عقول جبارة وإنما هي مسؤولية الجميع في الإسهام ولو بجزء بسيط في وضع الخطة.
إنّ هناك العديد من العوامل المساعدة لإعداد خطة محكمة، وهناك نظريات مختلفة لن أدخل في تفاصيلها ولكن هناك أساسيات لا يختلف عليها اثنان توجب بأن تكون هناك رؤية واضحة للمؤسسة والتزام فعلي من الإدارة العليا لتطبيق هذه الخطة للوصول إلى الهدف المنشود وأهداف استراتيجية واقعية تساهم في الوصول بالمؤسسة لهذه الرؤية المستقبلية
كذلك التعرف المستمر إلى جوانب القوة والضعف للمؤسسة أو حتى الفرد والتعرف إلى التأثيرات الخارجية من قبل الشركات المنافسة أو الفرص المتاحة. إنّ العمود الفقري لنجاح المؤسسة في وصولها لما ترمى إليه هو مشاركة الأفراد ومساهمتهم لنجاح الخطة، ومن الطبيعي أن تكون هناك مؤشرات لقياس الأداء لمعرفة ما وصلت إليه المؤسسة وما تبقى من زمن للوصول إلى ما تريد.
هناك غاية من وجود المؤسسات باختلاف أنواعها والأفراد كذلك هناك غاية من وجودهم سواء أكان على صعيد حياتهم الاجتماعية أم حياتهم المهنية يعملون على تحقيقها وعدم وجود خطة ستكون نهاية هذا الفرد أو المؤسسة طي النسيان ومن دون عمل أو انجاز يذكر.
مدير معهد غرفة تجارة وصناعة أبوظبي للتدريب
مقيم رئيسي بجائزة الشيخ خليفة للامتياز
Mohamed.Alain@gmail.com