عندما درسنا مادة التخطيط أيام الدراسة كانوا يضربون لنا مثلاً بشجرة في الصين اسمها «ياللاطا». هذه الشجرة يعتني بها المزارع أربع سنوات، وهي تحت التربة دون أن يظهر منها أي نتوء أو بروز، وفي السنة الخامسة تظهر وبارتفاع يتجاوز عشرة أمتار، أما شجرة الفلين فتحتاج إلى عشر سنوات لتكوين طبقة واحدة من الفلين، وهذا يدلل على صبر وعزيمة المزارع المخطط وقيمة العائد والثمار المرجوة من التخطيط الناجح.

لقد انتهى علماء اللغة وجميع المفكرين المهتمين بالتخطيط والتنبؤ بالمستقبل إلى أن مدلول لفظ (إستراتيجية) يعني تعبئة الموارد والطاقات البشرية والمادية وتوجيهها لتحقيق شامل وأوسع وأفضل وأمثل للأهداف الموضوعة من طرف التنظيم الذي أشرف على وضع الإستراتيجية. وهي تترادف أحياناً مع التخطيط لكن التخطيط يتضمن عدة عمليات، فالتخطيط أسلوب فني يسعى من خلاله التنظيم أو الإدارة إلى تحديد الأهداف،

ووضع القواعد، وتحديد المسار، ورصد الميزانيات، وتقدير الموارد البشرية والمادية، واختيار البدائل، ووضع البرنامج المفصل للجداول الزمنية، كل هذا يسمى تخطيطاً، لكن الإستراتيجية تأتي بعد تحديد الأهداف، فالتخطيط يشمل ضمن ما يشمل من العمليات انتقاء الأهداف واختيارها ووضعها،

لكن الإستراتيجية هي كيفية الوصول إلى تلك الأهداف، ورغم الإنجازات المتحققة في دبي، فاختيار سنة 2015، هي القدوة وهي سنة الأساس لرسم خطط مستقبلية، وهي الحد الأدنى لتحقيق رؤية دبي، وتمخضت بعد غياب الفكر والتخطيط الإستراتيجي العربي في ظل الظروف الدولية الراهنة التي يشهدها العالم العربي، والتي تفوق قدرة العقل العربي على إدراكها، وصدق ابن الرومي عندما قال:

أمامك فانظر أيَّ نهجيك تَنهج طريقان شتى مستقيم وأعوج

إن خطة دبي التي وضعت بالتعاون والتشاور مع أكاديميين ومثقفين ورجال أعمال ومال ومديري دوائر حكومية وإعلاميين، قسمت إلى خمسة محاور رئيسة وهي التنمية الاقتصادية، والتنمية الاجتماعية، والبنية التحتية والأراضي، والبيئة والأمن والعدل والسلامة، والتميز الحكومي،

ففي المحور الاقتصادي بنيت رؤية دبي على مبادئ الاقتصاد الحر والسوق المفتوحة وإطلاق المبادرات والسرعة في التنفيذ والشراكة المميزة مع القطاع الخاص بعد أن بلغت نسبة استثماره 43% من إجمالي الاستثمار في الدولة، وكان من ملامحها الصلة الوطيدة بين التعليم والاقتصاد وبالاتجاهين،

فالتعليم يسهم في التنمية مباشرة من خلال ما يُقدمه لها من قوى بشرية متعلمة ومن معارف علمية هي ثمرة البحث العلمي الذي يرتبط بالتعليم وما يغرسه من مواقف تجاه العمل والتنظيم والمجتمع تحابي جميعها التنمية بشكل أو آخر، ومن جانب آخر فالاقتصاد يوفر للتعليم موارده المختلفة،

وانطلاقا من ذلك فالخطة رؤية جديدة لترسيخ مكانة دبي مدينة عالمية، وإذا ما نظرنا إلى أهدافها من الناحية الاقتصادية، فسنرى وفي إطار ذلك تغير نمط النمو الاقتصادي على مستوى العالم من الطابع الكمي إلى الطابع الكيفي القادر على الابتكار والتجديد والمتمكن على المبادرة وإبداع الحلول غير المسبوقة لمشكلات قائمة بالفعل في مجتمعاتنا،

وبزوغ الرؤية الاقتصادية الجديدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بسماتها المتنوعة من ارتفاع معدل النمو ومضاعفة حجم الناتج المحلي الإجمالي لدبي من 37 مليار دولار إلى 108 مليارات دولار بزيادة تقترب من 300%، خلال عشر سنوات،

وفي ضوء مضاعفة حجم هذا الناتج بالنسب ذاتها من عام 1997 حتى عام 2005، وإن تحقيق الرقم سهل المنال، إذا ما أخذنا معدل النمو المناسب والمرن على مدى السنوات المقبلة وحتى العام 2015 ونفس الشيء يتعلق بمعدلات النمو السنوية المستهدفة بواقع 11%،

حيث وضعت في الاعتبار أن النموذج الاقتصادي المفتوح والتنافسي يعتبر النموذج الأفضل، ومن ثم اتبعت أهدافاً رئيسية مثل: زيادة كفاءة الجهاز الإداري، تخفيف القيود، إعادة بناء المالية العامة، السوق المفتوحة والتكنولوجيا المتطورة، والأمن، والأمن المعاشي، والتنمية الاقتصادية.

إن هذه الأهداف تساعدها في التخفيف من الآثار السلبية لإعادة هيكلة بناها الاقتصادية، وبناء الاستثمارات الضرورية لتحديث الاقتصاد والمجتمع ولتطوير قدرة البلد على مواجهة التحديات الخارجية، مما يدفع الدولة إلى القيام بنشاط اقتصادي واسع من أجل تحقيق هذه الأهداف عبر السيطرة على عملية تعبئة الموارد وتكوين رأس المال والاستثمارات الجديدة، والتأكيد على تصميم مكانتها على أداء دور استراتيجي في الساحة الدولية.

إن التراكم المالي المتزايد وإعادة توظيفه في العملية الإنتاجية بأشكال مختلفة، أدى إلى خلق فائض سلعي استدعى العمل على خلق وحدات قومية متجاوزة للحدود الوطنية، ويترافق مع توسع حركة رأس المال سواء في الإطار الوطني أو خارجه والمتأثرة بشكل مباشر بعمليات إعادة هيكلية وظيفية للقطاعات الإنتاجية بما يتلاءم مع احتياجات التنمية.

ذلك أن التخطيط غالباً ما يعبر عن رغبة في تحقيق الطموحات، فيكون مضمونه تفعيل أهمية الأداء للوصول إلى أهداف وبرامج عمل مشتركة. فيتميز انطلاقاً من ذلك بالتركيز على تحديد الأهداف والوسائل بدقة، وبلورة برامج العمل ومراحله لإنجاز ما هو مخطط من الوفورات الاقتصادية لسعة السوق الخليجي المشترك، والاستمرار في توسيع نطاق المواطنة الاقتصادية الخليجية.

Kutaiba@emirates.net.ae

كاتب ومحلل اقتصادي