أدت العولمة إلى تسهيل حركة انتقال رؤوس الأموال والسلع والمعلومات والتكنولوجيا والعمال والأفكار مما أدى إلى إيجاد مجالات واسعة للمنفعة المتبادلة على المستوى الدولي. وفي تقرير نشرته منظمة الأونكتاد عن التدفقات من الاستثمار الأجنبي المباشر والتدفقات إلى الخارج في مناطق مختارة من العالم من الفترة 1997-2006 يتبين أن التقديرات الأولية للتدفقات الاستثمارية المباشرة حول العالم ارتفعت بنسبة ملحوظة بلغت 34% عام 2006 لتبلغ 23, 1 تريليون دولار.

وصحيح أن التقرير يوضح أن هذه الزيادة الكبيرة تعود إلى قوة النمو الاقتصادي العالمي عام 2006 ترافق معه تحسن الأداء الاقتصادي في الأجزاء الرئيسية من العالم كالاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة، علاوة على العديد من الدول النامية،

إلا انه يشير إلى أن الدول الصناعية والمتقدمة لا تزال المستفيد الأول من تالك الزيادات، حيث ارتفعت حصة الدول المتقدمة بنسبة 47% لتبلغ 800 مليار دولار وبلغت حصة الاتحاد الأوروبي 549 مليار دولار والولايات المتحدة 177 مليار دولار.

أما بالنسبة للدول النامية فقد ارتفع بنسبة 10% فقط ليبلغ 368 مليار دولار حيث ارتفع في أفريقيا بنسبة 26% ليبلغ 39 مليار دولار وانخفض بنسبة 5% في أمريكا اللاتينية ليبلغ 99 مليار دولار وارتفع بنسبة 15% في آسيا ليبلغ 230 مليار دولار منها حصة الصين 70 مليار دولار وهونغ كونغ 40 مليار دولار وسنغافورا 32 مليار دولار.

ويقول التقرير إن الاستثمار الأجنبي المباشر لعب خلال الأعوام الخمسة الماضية دورا متعاظما في خلق فرص العمل وزيادة الانتاجية وتحويل التكنولوجية وتعزيز حجم الصادرات وهي جميعها تسهم في تعزيز فرص النمو الاقتصادي على المدى البعيد، وهي بدورها أيضا دفعت ببلدان العالم قاطبة للتنافس الشديد على جذب هذه الاستثمارات.

أما الآثار السلبية لهذه التحركات فهي تتمثل في عدة نواحي. فأولا، وكما ذكرنا من الواضح ان عددا قليلا من الدول هي التي استفادت من نتائج العولمة الاقتصادية ولم يتم توزيع فوائد هذه العولمة بعدالة على نحو يحقق التكامل الدولي المطلوب وتؤكد ذلك عدة تقارير مالية وعربية دولية من ان التدفقات الرأسمالية للدول العربية تعتبر هي الأقل على مستوى دول العالم حيث لم تزد نسبتها عن 1,1% من أجمالي هذه التدفقات خلال عام 2006.

وثانيا، يتضح أن هناك عدم التزام واضح من الدول المتقدمة بما تعهدت به في جولات منظمة التجارة العالمية مقابل موافقة الدول النامية على هذه الاتفاقيات وفي مقدمة ذلك تعويض الدول المتضررة من ارتفاع أسعار وارداتها الزراعية وتيسير نقل التكنولوجيا والمعارف الفنية الضرورية لتحقيق التقدم والتحديث في الدول النامية والمساهمة في إعادة تأهيل وتحديث الصناعات في الدول النامية.

وأدى ذلك إلى ان أصبح اتفاقيات تحرير التجارة الدولية عبئا واضحا وثقيلا على الدول النامية في ظل أوضاعها الاقتصادية الصعبة.وثالثا، قد تؤدي التدفقات الرأسمالية الأجنبية بموجات كبيرة إذا لم تقابلها زيادة في السلع إلى زيادة حدة التضخم وارتفاع أسعار الفائدة وتضييق حرية الحكومات في تعديل الهياكل الضريبية وانكماش الوعاء الضريبي بسبب زيادة نسب التهرب الضريبي من قبل الشركات والأفراد.

وتشير بعض المؤشرات إلى أن الأوضاع الجديدة للعولمة الاقتصادية تحكم على بعض الدول النامية بأن تظل في وضع يمنعها من ان تكون شريكا فعالا في الاقتصاد العالمي وبقاء غالبيتها في دائرة المعاناة من حدة الفقر، ومن هذه المؤشرات الاقتصادية ان نصيب الدول الأقل نموا في الصادرات العالمية بلغ 004,0% فقط، وان صافي التدفقات الرأسمالية الموجهة لهذه الدول وصلت إلى نسبة 1 ,20 من ديونها الخارجية وذلك خلال الفترة من 1997-2006.

ولا يخفي علينا أيضا ونحن نوازن بين السلبيات والايجابيات أن نشير إلى سهولة انتقال الصدمات من سوق مالية واحدة إلى الأسواق الأخرى، وليس من المستبعد ان تتفاعل الآثار في الأسواق المختلفة مع بعضها البعض على نحو يؤدي إلى تعاظم اثر الصدمات وهو ما نشهده حاليا في الأسواق المالية العالمية وخاصة الأسواق المالية المترابطة.

وأخيرا، وفيما يخص جوانب الطلب، ترى تلك التقارير أنه لا يمكن تحقيق تنمية القدرات الإنتاجية دون التصدي للقيود القائمة في جانب الطلب فضلا عن القيود القائمة في جانب العرض. ولكن هناك بوجه عام إغفالا لأهمية الطلب كمصدر للنمو.

فالسياسات وخاصة تلك المتعلقة بتدفقات المعونة الواردة التي تسعى إلى «هندسة» بنية محددة في جانب العرض بالنسبة للقدرات الإنتاجية الضعيفة ، دون إبلاء الاهتمام الواجب لديناميات الطلب، يرجح أن تبوء بالفشل، فالتنمية الشاملة تتطلب الأخذ باستراتيجية إنمائية تولي الاهتمام الواجب لديناميات الطلب المحلي فضلا عن ديناميات الأسواق الخارجية.