باتت قضية القرصنة التي تطال الأفلام التونسية الشغل الشاغل للسينمائيين والمنتجين التونسيين بعد أن تضخم خطرها وكبرت الأضرار التي تطال مداخيل الأعمال السينمائية الجديدة، وآخرها كان فيلم «كحلوشة» الذي لم يحقق أية إيرادات تذكر، بعد أن ظهر على أقراص الـ «دي في. دي» بعد اليوم الأول من عرضه في قاعات السينما، والأمر ذاته حدث مع فيلم المخرج النوري بو زيد «آخر فيلم» الذي فاز بالميدالية الذهبية في مهرجان قرطاج السينمائي، وذلك بعد أن ظهر على الأقراص المضغوطة قبل أن يخرج إلى قاعات السينما بشهرين.
هذه الظاهرة لمت شمل المخرجين والسينمائيين التونسيين ووضعتهم أمام حتمية التضامن للمرة الأولى في مواجهة هذه المشكلة تمهيدا لوضع أسس معالجتها وحلها، وكانت الساحة الفنية التونسية قد شهدت مؤخرا ندوات ولقاءات إعلامية مكثفة اهتمت بطرح القضية والبحث عن سبل معالجتها، وقد كان لنا على هامش هذه النشاطات لقاءات حوارية عدة، وكان أولها مع المنتج بهاء الدين عطية.
يقول عطية: «إن كل من يقوم بعمل قرصنة هو سارق.. المشكلة الحقيقية أن الذي ينسخ الفيلم ويوزعه على المحلات يظن أنه يقوم بعمل بطولي متناسياً أنه بهذا التصرف غير المسؤول يضرب عرض الحائط بجهود العاملين في الفيلم من مخرج ومنتج وكاتب وممثل وكل فريق العمل بدون استثناء.
وقد شجع هذه الفئة الفاشلة عدم وجود قانون ردعي يحمي حقوق المبدع، بل على العكس فالقانون أصبح يحمي المستهلك على حساب المبدع، وتحولت بلادنا شيئا فشيئاَ إلى بلاد مستهلكة بدليل أن قاعات السينما بدأت تنقرض فبعد أن كنا نمتلك ما يقارب 116 قاعة عرض أصبحنا اليوم لا نمتلك إلا 14 قاعة في العاصمة، ذلك في وقت ارتفع عدد السكان من ثلاثة إلى عشرة ملايين شخص مع تحسن واضح في مستوى الدخل الفردي والمعيشي للسكان».
إبداعنا في خطر
ويعتبر المخرج الشاب نجيب بالقاضي أن فيلمه «كحلوشة» ربما يكون آخر فيلم له إذا استمر الوضع على ما هو عليه الآن، ويضيف: «فوجئت بانخفاض إيرادات فيلمي الجديد خاصةً وإنني عملت بجهد كبير حتى أستقطب أكبر عدد من الجمهور وقد أدت هذه الظاهرة إلى كسل الناس من الذهاب إلى قاعات السينما معتمدين بذلك على مشاهدة الأفلام المقرصنة، ومع أنني تألمت مما حصل لي إلا أن نفس الشيء كان يحدث مع أي مخرج تونسي مما ألغى حماس الكثير من زملائي، وربما تؤدي هذه الظاهرة إلى انقراض السينما التونسية إذا لم تقاوم».
ويتساءل المنتج نجيب عياد حول مفهوم القرصنة وهل هي عمل إجرامي أم عمل بطولي؟ ومن هو المسؤول الأول عن هذه العملية هل هو المشرع الذي وضع القوانين أم الذي قام بفعل القرصنة؟
ويجيب عن تساؤلاته بالقول: «إن عملية القرصنة تصرف غير حضاري، وبمجرد أن يشتري أي شخص فيلما أميركيا أو عربيا أو تونسيا مقرصنا فهو بذلك قد ساهم بشكل مباشر في انتشار هذه الظاهرة التي بدأت تكتسح أسواقنا منذ فترة طويلة، وبعد أن أصبحت فكرة القرصنة عملية مقبولة من طرف هياكل الدولة بدليل أنها مكنت أكثر من 70 ألف عائلة معوزة من اقتناء رخص لافتتاح محلات من هذا النوع بتنا نشعر بأن الإبداع شيء رخيص جداً لدرجة أن الدولة أصبحت تساعد به الفقراء، أي أنها تفكر في الإبداع وتتعامل معه على أنه خطوة اجتماعية لا ثقافية».
أسباب التفشي
ويوضح المحامي رياض التواتي بأن من أهم أسباب تفشي هذه الظاهرة هو «غياب التدخل المسبق، أي أنه لا يوجد نص قانوني صريح يمنع الأشخاص من مزاولة هذا النشاط، كما لا توجد عقوبة ردعية لمن يقوم بهذا التصرف، ذلك لأن العقوبة بعد أن تستغرق اجراءاتها أكثر من سنة لا تتعدى كونها عقوبة مالية لا تتجاوز الثلاثمائة وخمسين دولارا تقريباً.
بينما عالجت فرنسا التي اقتبسنا منها الكثير من القوانين هذه الظاهرة بعقوبة ردعية وهي السجن لمدة سنتين لكل من ينسخ فيلما جديدا»، ويدعو التواتي إلى «ضرورة وضع نص قانوني ردعي صريح يستطيع من خلاله رجل القانون أن يقوم بعمله بكل شفافية لحماية الإبداع في كل المجالات الفنية، سواء كان موضوع القرصنة أغنية أو فيلما أو مسرحية».
العاملون متورطون أيضاً
الرأي ذاته ساقه المخرج جيلاني السعدي صاحب الفيلم الجديد «عرس الذيب» وهو يوضح أنه لم يتمكن من تسليم نسخة من الفيلم إلى وزارة الثقافة والمحافظة على التراث حتى تحدد له موعدا لعرضه في قاعات السينما بالعاصمة تحسبا لقرصنة فيلمه الجديد، ملمحاً بذلك إلى أن العاملين في هذا القطاع متورطون في هذه العملية أيضاَ، ومضيفاً أنه لا يعرف مصير هذا الفيلم بعد أن فقد الثقة في جميع المعنيين.
ويقترح المخرج منصف ذويب حلا للمشكلة بقوله: «يجب على أجهزة الدولة أن تتكاتف في البداية لمحاربة هذه الظاهرة من خلال وضع نص قانوني صريح يمنع القرصنة، وخلال هذه الفترة يمكن أن تعقد وزارة التجارة أو المالية اتفاقا بين أصحاب هذه المهنة وصناع الأفلام فتقسم الأرباح بشكل عادل بين الطرفين على أن يتم توزيع الأفلام بطريقة مقننة على أيدي مختصين في هذا المجال.
أو وضع طوابع جبائية على نسح الأفلام الأصلية التي يسمح بتداولها، لأن مقاومة القرصنة صعبة وتتطلب الكثير من الوقت والجهد، ونحن نتحدث هنا عن 70 ألف محل من هذا النوع، كما يجب على وسائل الإعلام أن تحسس بخطورة هذه الجريمة على صناعة السينما والفن بصفة عامة»
تونس ـ ضحى السعفي
