من قال إن المدن ليست كالنساء فهو سائح مبتدئ. لا يعرف معاني السفر ولم يقرأ في حياته صفحة واحدة من قاموس العشق الكوني.
ومن قال إن المدن كلها (مثل بعضها) فهو جغرافي فاشل، ورجل أرشيفي،
لا علاقة له بفن الذوق والتذوق والشم واللمس والنظر..
من قال إن المدن هي مجرد (محطات حدودية) فهو إنسان هارب من نفسه
لا يصدق متى يجتاز هذه المحطات ويتخلص من مطارديه..
المدن.. كائنات حية..
تحس، لها دقات قلب، مشاعر وكيان وشخصية اعتبارية..
المدينة مرأة، نحبها فنرجع إليها بشوق ولهفة أو.. لا نرجع !
المدن نسيج الذكريات العذبة، المعذبة، صور نسجت وتشكلت في شوارعها، على شواطئها، فوق أرصفتها المزدحمة برواد المقاهي وأوراق الخريف المتساقطة بتثاؤب، نوافيرها، بناياتها الأثرية العتيقة، ناسها الطيبين، أخاديد وجوه عجائزها و.. وقاحة حثالاتها..!
المدينة المميزة تعلق بالذاكرة كالرائحة المميزة..
نزين بها صدورنا عقد ياسمين، نستنشق رائحته بوله كلما هزنا الشوق إلى من نحب..
والمدن تتكلم..
مثلما العيون تتكلم..
مدن ترحب بك، ومدن تلفظك، ومدن تود ألا تتوقف لرؤيتها.
مدن خاشعة لتكبيرات مآذنها، ومدن ساهرة حتى الفجر، حتى آخر قطرة من كأس ضياعها..
مدن تغلفك بورق «سيلوفان»، تحل بها وترحل عنها ولا تعرف اسمها. مدينة كسلة الزهور، ومدينة كمنفضة السجائر.
مدينة تجبرك على تذكر قرميد سطوحها وعدد الأشجار المزروعة بمحاذاة شوارعها تصافحك بحرارة كلما زرتها..
ومدن ترفض أن تعطيك عنوانها..
مدن تأخذك بالأحضان وتمطرك بزهور الجاردينيا.. ومدن كالحة سكنتها الكآبة وحولتها إلى مقابر متحركة.. مدن تصيبك بنزلة برد، ومدن تصيبك بنزلة عشق ووجد صوفي. مدن وقحة كصديق خائن، ومدن حنونة دافئة كدمعة الفراق فراقها.. فراق من أحببنا ومن نحب!
آخر كلام.. كل المدن محطات غربة.. بدونك.
aalsanjari@yahoo.com