منذ ثمانينات القرن الماضي، وبعض بلدان القارة الافريقية تعيش حروبا أهلية عنيفة، تتمظهر بصراعات قبلية، تخفي خلفها حقيقة المستعمر القديم الذي يحرك ويدير هذا التقاتل، لاستمرار استغلاله للموارد الطبيعية من الالماس ونفط ومطاط، فهذا المستعمر لم يكتف بما حصل عليه خلال سنوات استعماره للقارة السوداء وغيرها بل استمر في عملية نهب متواصل، شرعها في الأزمنة اللاديمقراطية بقوة الأفكار العنصرية البغيضة، ويشرعها اليوم تحت غطاء تصدير الديمقراطية والعولمة لشعوب تفتقد مختلف أنواع المؤسسات، التي ان وجدت تستطيع حماية اي انجاز بهذا المعنى.

فيلم «الماسة الدم» يحمل هذه الأفكار عن قصة مقتبسة من وقائع فعلية، حدثت في سيراليون البلد الإفريقي الأغنى بتربة وماء يفيضان بالأحجار الكريمة،والحروب الأهلية العبثية، التي أتت على الثروات وعلى إنسان تلك البلاد، تحت وطأة عنف مفرط، بني عليه المخرج ادوارد زويك مقدمة شريطه، حيث رجال ميليشيا «ثورية» يقومون بقتل أهل قرية بحرية بعشوائية هي سمة القتل والحروب في العالم الثالث.

ومن يحالفه الحظ ينتهي بقطع كفيه كي لا يستخدمهما، في الاقتراع الانتخابي. ومن يمتلك حظا أوفر يحتفظون به كعامل سخرة لدى «الثوار» الذين يبادلون الألماس بالسلاح مع تجار غربيين، بعضهم يحملون وثائق سفر افريقية، مثل داني ارشر الجنوب أفريقي «الأشقر» (ليوناردو دي كابريو)، صاحب الماضي العسكري والخبرة في إبدال السلاح بالأحجار الكريمة التي يهربها إلى ليبيريا ومن هناك إلى اوروبا، التي لا يسأل فيها التجار ورجال الأعمال كيف وصلت هذه الجواهر إليهم.

فالمهم فقط عائدات الأرباح، بغض النظر عن تجاوز القوانين الدولية وحقوق الإنسان، في لحظة يبدو فيها ما يسمى العالم الأول لا يسمع صوت العالم الثالث التائه بين حروب يقوم بها لحساب العالم الأول وبين دماء بنيه الذين يستجيبون لقتل بعضهم بعضا بغريزة، لا يمكنها أن توقظ القاتل من انجراره خلف هواجسه الذاتية، ولا التاجر من حبه الأعمى للثروة والنفوذ.

«الماسة الدم» بهذا المعنى فيلم رسالة، تضيء على موضوعات عتيقة متجددة. عرف مخرج الفيلم ادوارد زويك كيف يحقق ما يريد قوله، دون ان يخسر الشروط الفنية السينمائية. أكثر من ذلك، نجح بان يجد خطا وسياقا يمسك الفيلم من لحظة بدايته وحتى نهايته، لم يستجد عواطف المتفرج. ولم يحشر رموزا لا حاجة لها. ولم يراهن على تصاعد درامي يصل حد تراجيدية تتوسل بكاء. فالإيقاع الدرامي لا يتبدل، يبدأ من ذروة حافظ عليها.

من ضمن سيناريو متماسك، وحوارات سريعة، ولغة بسيطة تصيب ما تريد. في نهاية الشريط يقول زويك جملته على لسان سياسي في أوروبا، «علينا اليوم ان نسمع العالم الثالث»، لكن الفيلم ينتهي من دون ان نسمع هذا الصوت. أمنية المخرج أن ينصت الغني المتغطرس للفقير. لكن الصوت الأمني يبقى تائها بين االجشع والدم.

ادوارد زويك، مخرج ذكي ومثقف، يمتلك موقفا ورؤية، قدم للسينما أعمالا كبيرة على قلتها، منها «غلوري» (المجد) في العام 1989، عن قصة كتيبة عسكرية من الزنوج في الجيش الأميركي يقودها رجل ابيض يقتل مع رجاله خلال الحرب الأهلية الأميركية في معركة رهيبة.

الفيلم من بطولة ماثيو برودريك ودينزل واشنطن ومورغان فريمان وكذلك هو بأفلام أخرى مميز تحت عنوان «شجاع تحت النار» (1996) و «الحصار» (1998) و«لاست ساموراي» (2003). يلفت بقدرته على توليد كيمياء خاصة بين ممثليه، وكيمياء بينهم وبين مناخ الفيلم عامة. ومهما تعددت التناقضات بين الشخصيات في المروي او في المروي ذاته، تظهر مشدودة إلى بعضها في مصائرها على الأقل، وفي الأسئلة الكثيرة والكبيرة التي يطرحها هذا السينمائي في أعماله، السهلة حقا والممتعة بالفعل.

دبي ـ حسين قطايا