اختلفت الأمسية الثانية لاستعراض فرقة « نار الأناضول» التركية (The fire of Anatolia) عن سابقتها، هكذا أتيح لمنظمي هذا العرض البديع الذي أقيم ليلتي الجمعة والسبت الماضيين في مسرح الهواء الطلق الكائن في مدينة دبي للإعلام، أن تنفرج أساريرهم قليلاً، ليس لأنهم حققوا إيرادات أكثر فحسب، بل أيضا لرؤيتهم حشداً من الجمهور تجاوز ضعفي عدد الأشخاص الذين قصدوا المكان في الليلة الأولى.

و(نار الأناضول) التي أسسها الفنان التركي مصطفى أردوغان عام 1999، من أشهر واهم فرق الرقص في العالم، وهي تضم 90 راقصاً وراقصة اختارهم أردوغان من بين 750 شخصاً استجابوا لإعلان نشره في الصحف. ودخل العرض الذي قدم للمرة الأولى في مدينة «إريكلي» على شاطئ البحر الأسود كتاب غينيس للأرقام القياسية، بعد أن شاهده 4000 شخص وقوفا في مسرح (بودروم) الأثري، بعد 2300 سنة من آخر عرض استضافه هذا المسرح، واستمرت العروض بنجاح مبهر في تركيا طيلة ثلاث سنوات. وفي 3 مايو عام 2001 انطلقت الفرقة في جولة حول العالم، حيث قدمت عروضها في بلدان عدة من بينها ألمانيا وهولندا وسويسرا ولبنان والصين وقطر وروسيا والمجر واليونان وبلغاريا وغيرها.

أما دولة الإمارات، فكان لها نصيبها من جولة هذه الفرقة العالمية، التي خصت دبي بأمسيتين حماسيتين استمدتا الدفء من «نار الأناضول»، رغم أنهما أقيمتا في فضاءات مفتوحة على برودة الشتاء، حيث تقاطر عشاق الفولكلور التركي إلى مكان العرض، الذي اعتاد على استضافة الأحداث الفنية العربية والعالمية على مدى السنوات الماضية. ولم يكن يدور في خلد من لا يعرف معلومات عن «نار الأناضول» أنه سيفاجأ بعرض فني راق، يقدمه فنانون محترفون أدهشوا الناس في كل محطة، قدموا فيها استعراضهم الزاخر بالإبداع والحيوية الفائقة.

توزع الجمهور في ثلاثة أمكنة تبعاً لأسعار البطاقات، لكن ذلك لم يكن له أي تأثير على الرؤية والمتابعة الشغوفة، وبعد فقرات من الموسيقى الكلاسيكية قدمها عازفون محترفون، تهيأ الناس بكل حواسهم للعرض المنتظر. كانوا من جنسيات مختلفة، مع غلبة عددية للجالية التركية المقيمة في الإمارات نظراً إلى طبيعة الاستعراض وشهرته في وسط الأتراك عموماً.

ومن قراءة الاسم «نار الأناضول»، يستطيع المرء أن يتبين السمات الوطنية والقومية التي يسعى إليها العرض. فالفقرات الراقصة التي قدمت على الخشبة تباعاً، مرفقة بصور ترتسم على مجسم كبير لطبل مثبت في أعلى المسرح، تدل في كل واحدة منها على البلدان التي ضمتها الامبراطورية العثمانية.

وتتناول الرقصات المتنوعة بين الفولكلور والكلاسيك تاريخ الأتراك وتجمعهم واستيلائهم على هضبة الأناضول، واختلاطهم بالشعوب والثقافات المختلفة، ثم تأسيس الدولة العثمانية.

وجمع العرض بين التقليدي والحديث في تركيبة متناغمة من الألحان والرقصات الفلكلورية التركية والعربية والأندلسية، والتي أدى خلالها الراقصون والراقصات عشرات الرقصات المتنوعة في لوحة واحدة، تستحضر أساطير وثقافة الأناضول على مر العصور.

ومن رقص شرقي قدمته فتيات فاتنات ببراعة لافتة، مع خلفية لأماكن أثرية مصرية من الحقبة التركية، إلى رقصة المولوية في حلب السورية ومعالمها الدينية، تأتي الدبكة وما يتخللها من حماسة، حيث شارك الجمهور في المدرجات الراقصين دبكة وإن كانت جلوساً، وصولاً إلى الشرق الأوروبي وبلغاريا وألبانيا واليونان، حيث الرقص الحديث من فالس وروك وتانغو وغيرها من اللوحات المقدمة بإتقان.

ووسط ذهول العيون من القدرة الفائقة على الأداء من دون أي تعب أو كلل، كان التصفيق يعلو مع انتهاء كل فقرة، لتنقل بعدها الحواس إلى «ملحمة» أخرى من الإبداع، حيث تحول المسرح إلى جيش من عازفي الطبول الذين قرعوا طويلاً، ورددت الأمكنة المجاورة أصداءهم المهيبة.

على مدى فصلي الأمسية، لمس الجمهور كل شيء ينطق بدلالة قصصية وثقافية، بحيث تنقلت عيونهم بين روايات التاريخ ومعطيات الجغرافيا على مسرح محدود، بينما أخذتهم الموسيقى لتلمس الثقافات العالمية مع ضربات الراقصين بأقدامهم كدلالة على كثرة الحروب التي خاضها الأتراك طوال تاريخ امبراطوريتهم التي دامت حوالى خمسمئة عام.

دبي ـ إسماعيل حيدر