طوعت السينما أعمالاً روائية كثيرة. محولة صيغة لغة الأدب المكتوب إلى لغة بصرية، تراكم على مخيلة الكاتب ونصه الأدبي صيغا تخييلية، تحاكي الأصل وتتجاوزه أحياناً، أو تقصر عنه في أحيان أخرى، فتفشل في تحقيق الاقتباس، لأسباب تتعلق بوساعة فضاءات النص الأدبي المقتبس عنه، وغياب قدرة «المخرج» لان يولد فضاءات سينمائية موازية لأشكال السرد الأدبية. فلا تعود العلاقة بين النصين الأدبي والبصري علاقة مركبة، أو جدلية. وهذا اقل ما هو مطلوب في أي عملية «تناص»، أي بناء نص ثان خارج تكوينات النص الأول.
تتيح خشبة المسرح هذه العملية بيسر، على عكس الفيلم السينمائي. الخشبة تتحلى برحابة من طبيعتها، والفيلم محدد الأفق بحجم الكادر. استخدام الإكسسوارات كذلك مختلف في كلا الفنيين. هذا لا يعني ولا يشير أبداً إلى عجز للسينما، بقدر ما يؤشر إلى عجز بعض المخرجين السينمائيين عن توليد رؤية.
كما هو حاصل مع مخرج فيلم «برفيوم» توم تايكير، الذي جسد رواية شهيرة بالاسم ذاته للكاتب باتريك سوسكايند، الذي صنع عالما غرائبيا سحريا، عن شخصية متخيلة بالكامل تدعى جان باتيست غرونوي. يولد في زمن التحولات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى في أوروبا القرن الثامن عشر، ولادة بشكلها ومضمونها تشي برموز كثيفة متداخلة حد التصادم العنيف بتناقضاتها، ومعقودة على موهبة غرونوي الفذة في التقاط روائح كل شيء وكل كائن، إنسان أو حيوان، حي أو ميت، لا فرق، أمام حساسية انف يوغل في إسرار الحياة عبر روائحها، التي لا يكتفي بها غرونوي فيحاول الإضافة إليها، رائحة هي الأعظم والأروع، المنسوجة من جثث لواتي فاتنات قتلهن وغلفهن بالشحم لسحب عطرهن الخاص.
ينجح غرونوي بمسعاه ويسيطر على المجتمع برمته بهذا العطر الساحر.ينظر إليه كملاك، وهو القاتل. يعتبر المحرر وهو المكبوت الأسير. يأكلونه في النهاية وهو الجائع الأزلي. ويمكن تعداد الكثير من هذه المتقابلات في رواية غزيرة بهذا النحو .لكنها لا توحي لمخرج فيلم عطر بأكثر من أن يقدم فيلما يطبق على مخيلة قارئ الرواية، التي تحولت مع تايكير إلى سيناريو عاجز، يستخدم التعليق الصوتي على الأحداث بدل يصور الأحداث ذاتها. يلتقط مفاصل الحكاية ويقتل انفتاحها التخييلي بحركة الكاميا التقليدية وبكوادر كلاسيكية لا رؤية فيها ولا إبداع أو استنباط او إضافات. فقط يسقط في بلادة باردة، لا حول له ولا قوة، معتمدا على شهرة الرواية الكبيرة بان تنجح عل شباك التذاكر.
يجسد الممثل الانجليزي الشاب بن وايشاو شخصية جان باتيست غرونوي، بأداء لا تجده إلا عند ممثلين كبار ومخضرمين. و مع انه صغير السن إلا انه رفع العمل من مطبات المخرج، وأدار نفسه، وألف دوره في كل مشهد أمام المشاهد، هنا يمشي بحركة لساقيه تجر خلفها السرد والفيلم معا. وهناك يصمت فنحبس أنفاسنا. وكذلك هي تعبيرات الوجه والجسد كلها تشي بإبعاد الشخصية المركبة والمعقودة على سلسلة شيفرات، هي عبارة عن مفاتيح لأبواب الحياة المتضمنة حيوات كثيرة كما هي رواية باتريك سوسكايند. فيها روايات كثيرة.
ولا يمكن إغفال الدور الذي قام به القدير داستان هوفمان في شخصية صانع العطور «بالديني»، الذي يستفيد من موهبة غرونوي ويعلمه من خبرته بعض الشيء، ويعلم الممثل الشاب الكثير من روح الأداء خصوصا من دوره بفيلم آخر تحت عنوان «رجل المطر». «برفيوم» رواية كبيرة لم يستطع المخرج توم تايكير أن يصنع منها فيلماً كبيراً.
دبي ـ حسين قطايا
