قالت دراسة لصندوق النقد الدولي أن هناك علاقة وثيقة بين الاعتماد على النفط وظاهرة ارتفاع الدين العام في الدول المنتجة، حيث أن ارتفاع الإيرادات النفطية في أوقات ارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى التوسع في الإنفاق الحكومي. لكن الانخفاض المفاجئ في تلك الإيرادات لا يرافقه مرونة في تخفيض سريع في الإنفاق مما يضطر تلك الدول الاستدانة من الأسواق المحلية والعالمية.
وأضافت الدراسة التي أعدها فريق من صندوق النقد الدولي أن عدم مرونة أنماط الانفاق الحكومي، كون اغلبه يرتبط بالنفقات الجارية، علاوة على الهبوط المفاجئ في إيرادات النفط وضعف المؤسسات المعنية بالتصحيح الهيكلي جميعها أسباب تؤدي إلى الاعتماد المتزايد لتلك الدول على الدين العام بدلاً من الإصلاحات الهيكلية .
وأكدت الدراسة أن هذه الأسباب أدت إلى بروز ظاهرة ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج الاجمالي في الدول الخليجية المصدرة للنفط بمعدلات أعلى من بقية الدول النامية حيث بلغت تلك النسبة كمتوسط 60% إلى 70% بينما تبلغ في الدول النامية 50% .
ونوهت الدراسة أن العامين الماضيين شهدا انخفاضا كبيرا في نسبة المديونية في الدول الخليجية المصدرة للنفط وذلك بسبب الزيادة في الإيرادات النفطية حيث انخفض متوسط نسبة الدين 30%. وتركز الانخفاض في الدين الخارجي.
إلا انه في المقابل وباستخدام النماذج الاقتصادية المثلى لاستخدام الإيرادات في دول مصدرة للنفط يتضح أن استخدام جزء أساسي من الإيرادات النفطية في تسديد الدين كان على حساب توزيع الثروات النفطية على استخدامات مهمة أخرى ولاسيما الاستخدامات المنتجة الطويلة الأجل والمولدة لإيرادات تعوض عن انخفاض إيرادات النفط مستقبلاً ،
كذلك على حساب حصة الأجيال القادمة من هذه الثروات . لذلك فان الوضع المالي الجيد الذي تشهده تلك الدول في الوقت الحاضر ليس بالضرورة يعكس الوضع السليم على المدى البعيد. لذلك تطالب الدراسة الدول المصدرة للنفط القيام بالعديد من الإصلاحات الهيكلية تحقق التوزيع العادل للثروات النفطية على الاستخدامات المهمة الأخرى وتأخذ بالاعتبار مصالح الأجيال القادمة من جهة ، والظروف غير المستقرة التي تحيط بأسواق النفط من جهة أخرى.
ويطالب الخبراء من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الدول المصدرة للنفط بتنفيذ إستراتيجية متوسطة الأجل تتألف من مراحل متتابعة للإصلاح الهيكلي الشامل، على أن تستند هذه الاستراتيجية على خمس ركائز رئيسية أولها ضبط أوضاع المالية العامة وتقوية الميزانية هيكليا لضمان استمرارية الإنفاق على الأجل الطويل بما يتفق مع الأهداف الاقتصادية الخاصة بتحقيق العدالة بين الأجيال،
وتحصين الاقتصاد ضد صدمات معدلات التبادل التجاري، وتحسين الحوافز المساعدة على نمو القطاع الخاص. ويتطلب هذا تحسين الإدارة الضريبية، واعتماد نظام ضريبي حديث، وخفض المصروفات الجارية، وإعادة توجيه النفقات صوب تكوين رأس المال البشري والمادي معا.
وإضافة إلى ذلك، يتعين وضع سياسة المالية العامة في إطار متوسط الأجل بافتراض سعر متحفظ للنفط، وهو منهج من المرجو ان يؤدي إلى الحد من اعتماد النفقات على الإيرادات النفطية في الأجل القصير وإلى تكوين مدخرات احترازية لمواجهة الصدمات الخارجية. وفي غضون ذلك، سوف يوضع الدين المحلي على مسار هبوطي متواصل، مما يتيح مجالا أكبر للإنفاق الإنتاجي من المالية العامة.
كما ترتكز على إصلاحات سوق العمل التي تحول دون انحراف جهود الإصلاح عن مسارها الصحيح من جراء ضغوط البطالة . وتجنبا لإضعاف القدرة التنافسية، ربما يتطلب الأمر مواجهة هذا التحدي من خلال إستراتيجية طويلة الأجل تستهدف تنمية المهارات اللازمة لدى القوى العاملة الوطنية.
ويتعين إيجاد وظائف للمواطنين الذين يدخلون سوق العمل، بما في ذلك الذين يمكن ان تتغير وظائفهم نتيجة لإصلاح المؤسسات المملوكة للدولة، مع تحقيق التكامل في أسواق العمل المجزأة حاليا.وينبغي السعي إلى تحقيق هذا الهدف طويل الأجل بإجراء إصلاح شامل لسياسات التعليم والتدريب وإعادة توجيه النفقات الحكومية نحو بناء رأس المال البشري.
حسن العالي - المنامة