هناك اهتمام متزايد في المنطقة العربية بإرسال وفود إلى «دافوس» سنوياً لحضور المنتدى الاقتصادي العالمي والذي يستقطب عددا كبيرا من أقطاب العالم الاقتصاديين والسياسيين والدينيين في محاولة منهم لإعادة العالم إلى ما يجب أن يكون عليه من استقرار وأمان وسلام، خاصة بعد أن فلت الزمام منذ القرن التاسع عشر وحدث الصدام المسلح والقتل والإرهاب بين البشر وكانت النتيجة مآسي ومذابح وكوارث عاشها أغلب سكان العالم في الشمال والجنوب وفي الغرب والشرق.
وكان أول اجتماع لمنتدى «دافوس» في يناير عام 1971 دعا إليه أستاذ جامعي سويسري في محاولة منه لوقف الظلم العالمي الذي تقوم به الشركات الكبرى المتعددة الجنسية في نهب ثروات الدول وتوجيهها إلى فئة قليلة مالكة ومسيطرة ولها الكلمة الفاصلة على مقدرات العالم السياسية والاقتصادية، وقد استطاع صاحب الدعوة تأسيس تنظيم أطلق عليه منتدى «دافوس» وأصبح هذا التنظيم يسمى «مؤسسة كلاوس شواب»
وتم تغيير اسمه في عام 1987 إلى المنتدى الاقتصادي العالمي يجتمع سنوياً في «دافوس» بسويسرا وفي مدن أخرى يتم تحديدها خارج سويسرا، كان أهمها اجتماع شرم الشيخ خلال شهر مايو الماضي والذي حضره حوالي 1500 شخصية عالمية من كبار رجال المال والأعمال في العالم (من المقرر أن يجتمع هذا العام في قطر وتشيلي وروسيا وجنوب إفريقيا وسنغافورة والولايات المتحدة والهند).
والاجتماعات المتعددة والحضور الواسع لهذا المنتدى ومن أقطاب العالم رسميين وغير رسميين، اقتصاديين وسياسيين، علماء ومفكرين، هذا الحضور الواسع لكل هؤلاء أصبح فرصة جيدة لمناقشة مختلف الاتجاهات العالمية من الذين يهمهم منع الحروب التي يمكن أن تنشأ على الصعيدين العالمي والإقليمي والتي قاسى العالم الكثير من أهوالها في الماضي حيث فقد ما يقرب من خمسين مليون شخص في الحرب العالمية الثانية وحدها في مختلف دول العالم، ومازالت هذه الدول تعاني اجتماعياً من فقد أبنائها الذين كان أغلبهم من الرجال.
وإذا كان هذا المنتدى قد تصدى في جلسات سابقة للشركات الكبرى المتعددة الجنسية التي تمتص ثروات العالم، فإنه يتصدى حالياً للإستراتيجية العالمية التي وضعتها بعض الدول الكبرى والتي تهدف إلى منع التنمية في الدول النامية على حساب الدول المتقدمة، وهو ما يعني بقاء الأوضاع العالمية على ما هي عليه من تخلف وتحضر، ومن ضعف وقوة، ومن عبودية وسيادية، وهي إستراتيجية حاربتها الثورة الفرنسية في القرن قبل الماضي
بينما تعيدها حالياً بعض الدول الكبرى حيث تظهر معالمها واضحة كخلافات ومعارضات في أغلب المفاوضات الدولية التي تتم بين دول الشمال ودول الجنوب بشأن العلاقات الدولية في مجالات التجارة «منظمة التجارة العالمية» والنقد «صندوق النقد الدولي» والمال «البنك الدولي» وغيرها من المجالات التي يتعين أن تحدد العلاقات الاقتصادية بين مختلف دول العالم على أسس عادلة.
إن الأستاذ الجامعي «كلاوس شواب» الذي أنشأ هذا المنتدى كان في ذهنه أن يتحرر العالم من الإستراتيجية القديمة التي وضعها الاستعمار في القرن التاسع عشر واستفاد الكثير منها، الإستراتيجية التي تهدف إلى زيادة الفقراء فقراً وزيادة الأغنياء غنى، مع تكوين ميليشيات على أهبة الاستعداد لضرب كل من يتصدى لهذا الهدف ويحاول تغييره،
وقد انطلقت هذه الميليشيات في الوقت الحاضر فضربت أول ضرباتها في دول جنوب شرق آسيا الست عندما شعرت أن هذه الدول وصلت إلى مستوى التقدم الذي يفوق بعض الدول المتقدمة قديماً (الدول الغربية والولايات المتحدة الأميركية)، وهي ضربة أصابت الدول الآسيوية في مقتل حيث انهارت اقتصاداتها في يوم وليلة لولا إرادة الله التي كانت معهم وأعيد بناؤها بعد سنوات قليلة.
أما المنطقة العربية فبدأ اهتمامها بمنتدى «دافوس» منذ ارتفاع أسعار البترول في عام 1973 حيث وجدوا فيه فرصة كبيرة لتبادل الأفكار وبحث آثار ارتفاع أسعار البترول على العلاقات الاقتصادية والمالية الدولية وارتبط ذلك ببحث الجانب الاقتصادي بالصراع العربي الإسرائيلي، ومنذ ذلك الوقت أصبح هذا الصراع بنداً رئيسياً في أجندة الاجتماعات السنوية في المنتدى، حيث يعرض كل من الجانبين العربي والإسرائيلي وجهة نظره في معالجة القضية وربطها بقضايا اقتصادية شاملة للمنطقة.
وشهد اجتماع المنتدى عام 1994 لقاء بيريز وعرفات، كما تولدت فكرة المنتدى الاقتصادي الدولي لمنطقة الشرق الأوسط في المغرب بمشاركة فعالة من جانب المنتدى الاقتصادي العالمي، ثم كان الاجتماع السنوي عام 1997 فرصة للجميع بين عرفات ونتانياهو في أول لقاء بينهما بعد انقطاع طويل
بسبب امتناع الإسرائيليين عن الانسحاب من مدينة الخليل، وقد قام المنتدى فيما بعد بتأسيس ما يسمى «مبادرة المنتدى لصالح المؤتمر الاقتصادي الدولي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» وحاول التوفيق بين الجانبين العربي والإسرائيلي تمهيداً لمعالجة الثغرات التي ظهرت على طريق السلام بينهما.
كما احتلت القضية العراقية منذ الغزو الأميركي للعراق أهمية كبيرة على جدول أعمال منتدى «دافوس» في أكثر من اجتماع، حيث ناقشت بعض هذه الاجتماعات مجالات إعادة الإعمار في العراق وإعادته كدولة موحدة مثلما كان عليه قبل الغزو الأميركي،
وقد ناقش هذه القضية أكثر من متحدث وإن كانت هذه الأحاديث لا تصل إلى حد التوصيات أو القرارات، فهي بلا شك تفتح مجالات للفكر العالمي من حيث أثر هذه المشكلة على الاستقرار الدولي والسلام العالمي.وإذا كان المنتدى الاقتصادي العالمي يناقش القضايا العالمية أو تلك التي لها أثرها على الصعيد العالمي، فإنه لا يغفل مناقشة القضايا الإقليمية التي يمكن أن تساعد أيضاً على السلام العالمي،
وفي مقدمتها قضايا الفقر والبطالة حيث يقوم بعض المتحدثين من أقطاب العالم بعرض خطوات لمعالجة هاتين القضيتين وإبداء الرأي حول التنفيذ حتى لا تكون الخطوات مجرد حبر على ورق، وهو ما يعرضه أغلب الذين يحضرون المنتدى في محاولة منهم لمعالجة المشاكل الإقليمية والقطرية.
وقدم المنتدى الاقتصادي العالمي في «دافوس» عدة مبادرات وخطط عمل ومشروعات في أغلب اجتماعاته السابقة ارتبط أغلبها بالهدف الرئيسي له وهو الرغبة في تحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية العالمية دون أن يؤثر ذلك أو يكون على حساب دول معينة حتى لا يكون هناك صدام دولي عسكري أو حتى فكري، حيث تتم المناقشات من الجانب الإنساني مع طرح الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تقضي على هذا الصدام ليكون العالم بعيداً عن الظلم قريباً من السلام والأمان.
وكان من أبرز المبادرات السابقة التي قدمها المنتدى مبادرة المشاركة من أجل القضاء على الفساد حيث يطالب بضرورة محاربة الفساد باعتباره عقبة رئيسية ضد السلام خاصة في دول العالم الثالث التي تنتشر فيها البيروقراطية أهم أشكال الفساد، والتي كانت من أكثر الأنشطة ربحية في بعض الدول كروسيا،
كما أن نمو النشاط البيروقراطي يؤدي عادةً إلى زيادة في معدل الفساد، وطالب المنتدى توقيع كافة دول العالم على الاتفاقية الدولية لمحاربة الفساد والالتزام بتطبيق البنود الواردة بها خاصة بالنسبة للقضاء على البيروقراطية، وقد شكل مجلساً خاصاً لرعاية مبادرة محاربة الفساد، يجتمع بين فترة وأخرى لتحقيق الأهداف التي نصت عليها الاتفاقية الدولية.
أما التعاون العربي الإقليمي فإنه لم يكن على أجندة المنتدى هذه المرة حيث تم بحثه تفصيلياً منذ شهور في المنتدى الاقتصادي العالمي بشرم الشيخ خاصة في المجالات الاقتصادية والتعليمية والصحية، مركزاً على قضيتين، قضية الإدارة الرشيدة الذي انعقد لبحثها اجتماع خاص بين حوالي 16 دولة عربية وبمشاركة 11 وزيراً عربياً،
وقد تم وضع الخطوات التنفيذية للعلاج والتي تمثلت في إنشاء آلية جديدة لتيسير تنفيذ المشروعات العربية التي تظهر على الورق ولا يتم تنفيذها وهو للأسف سلوك عربي ظهر خلال نصف القرن الأخير، وتقوم هذه الآلية حالياً بالاتصال بكافة الأطراف المعنية لتنفيذ المشروعات المطروحة على النطاق الإقليمي، كما تم الاتفاق على ضرورة العمل على توفير التمويل لهذه المشروعات في أقرب فرصة حتى يتم تنفيذها بدلاً من تجميدها.
وفي مجال التعاون الاقتصادي العربي أيضاً تم بحث عدد من المشروعات والاستثمارات العربية التي يتم تمويلها برؤوس أموال عربية، وكان في مقدمة هذه المشروعات تحالف شركة «إعمار مصر» مع «إعمار العربية الإماراتية» وشركة «أرتوك» للاستثمار والتنمية لإنشاء عدة فنادق بمدينة الإسكندرية على مساحة قدرها أربعة فدادين على البحر الأبيض المتوسط، وذلك لاستضافة المؤتمرات والمعارض
حيث خصصت محافظة الإسكندرية الأرض لصالح مكتبة الإسكندرية لاستخدامها في إنشاء طاقة فندقية، مستفيدة في ذلك من البرامج والمؤتمرات العديدة التي تستضيفها المكتبة سنوياً، وعلى أن يتم الانتهاء من التصميم خلال ستة أشهر وأن يبدأ التنفيذ خلال فترة لا تتجاوز 11 شهراً.
ويمكن القول إن مناقشات المنتدى الاقتصادي العالمي الذي تأسس في «دافوس» تنعكس إيجاباً على المنطقة العربية، وقد يكون من المناسب أن تنشأ في جامعة الدول العربية أو في مجلس الوحدة الاقتصادية العربية مجموعة عمل لبحث كيفية الاستفادة من المناقشات التي تدور في المنتدى سواء في «دافوس» أو خارجها، وعلى أن يتبلور ذلك في دفع العمل العربي المشترك لإنشاء مشروعات تنفيذية في المنطقة العربية وبالتركيز على الأماكن الفقيرة التي يتولد فيها الإرهاب ويمتد منها إلى أماكن أخرى خارج وداخل المنطقة.
كاتب ومحلل اقتصادي
y_elmasryooo@hotmail.com