تمثل التحويلات المالية المصدر الثاني للتمويل الخارجي بالنسبة للبلدان النامية بعد الاستثمار الأجنبي المباشر. إضافة إلى ذلك، فإن التحويلات المالية عادة ما تكون مصدراً أكثر استقراراً بالمقارنة مع النمط المتحقق لكل من المساعدة الإنمائية الرسمية أو التمويل الأجنبي المباشر،
وتمثل التحويلات المالية بالنسبة لبعض البلدان النامية حصة مرتفعة من الناتج المحلي الإجمالي، حيث شكلت تحويلات العاملين وفقاً للتقارير الاقتصادية الأخيرة أهمية كبيرة في اقتصاديات الدول النامية المتوسطة والمرتفعة الدخل، ومنها عدد من الدول العربية.
وتعتبر السعودية أكبر مصدر للتحويلات في العالم بعد الولايات المتحدة، حيث تصل القيمة سنوياً إلى 17 مليار دولار. بينت ذلك التقارير الصادرة عن البنك الدولي بداية السنة الحالية، وعن صندوق النقد العربي، وشركة (ويسترن.يونيون).
ويشكل هذا المبلغ نسبة الـ 60 % من أصل 27 مليار دولار المحولة سنوياً من المقيمين العاملين في دول الخليج، وجاءت دولة الإمارات المتحدة في المرتبة الثانية بعد المملكة خليجياً حيث تمثل 16 % من التحويلات الإجمالية للمقيمين من دول الخليج العربية.
وجاء في تقرير البنك الدولي أن لبنان اكبر المتلقين للتحويلات من الدول العربية، حيث بلغت 2, 5 مليارات دولار عام 2006 أعقبه المغرب 1,5 مليارات دولار، ومصر 3, 3 مليارات دولار، والأردن 8, 2 مليار دولار، وتمثل الأرقام التحويلات المرسلة عبر القنوات الرسمية وخصوصا المصارف، في حين تمثل القنوات غير الرسمية أهمية مماثلة حيث يمكن أن تزيد التحويلات الإجمالية عن 50 %.
وتعزى الزيادة الملحوظة في تحويلات العاملين في الخارج خلال الأعوام الماضية لعدد من العوامل أبرزها تزايد عدد العمالة المهاجرة حول العالم، وبوجه خاص فيما بين الدول النامية وما ترتب عنه زيادة في دخولهم وانخفاض كلف خدمات التحويلات في ضوء التحسن في البنية التحتية للصناعة المصرفية المساندة للتحويلات، وانتشار شبكاتها عبر العالم، وهناك أيضا التحسن النسبي في جمع البيانات المرتبطة بهذه التحويلات في ضوء تزايد الوعي بأهميتها في دفع ومساندة التنمية في الدول النامية.
وحتى يتم إدراك أهمية التحويلات المالية للمغتربين نشر مركز المعلومات بغرفة تجارة وصناعة أبوظبي دراسة بيّن فيها أن إجمالي التحويلات الرسمية للعمالة الوافدة في الدول الخليجية بلغت 27 مليار دولار عام 2004، حيث احتلت العمالة الآسيوية المرتبة الأولى، إذ تحول 90% من دخلها إلى أوطانها، بينما تقوم العمالة العربية - التي تمثل 11% من العمالة الوافدة- بتحويل 15% من دخلها،
وتحتل دول الخليج الست المرتبة الخامسة من حيث حجم التحويلات المالية التي يرسلها العاملون الأجانب فيها إلى بلدانهم بحسب مجموعات الدول النامية، وتقدر هذه التحويلات بحدود 7, 24 مليار دولار، مقارنة بأميركا اللاتينية التي تحتل المرتبة الأولى بمقدار 4, 53 مليار دولار، تليها منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ بحدود 3 ,45 مليار دولار،
ثم مجموعة دول جنوب آسيا بحدود 7 ,37 مليار دولار، فالتحويلات المالية لديها من المدلولات الاقتصادية ما يعزز كفاءة تدفقات تحويلات العاملين بالنسبة للدول المرسلة من جهة، وتعظيم فوائدها على اقتصادات الدول المستقبلة للتحويلات من جهة أخرى، وتسهم التحويلات المالية الواردة في تنشيط
ودعم ميزان المدفوعات بالإضافة إلى الآثار المترتبة على قيمة العملة المحلية وسعر الصرف ونتيجة لذلك تميل الحوالات إلى تحديد أنواع الأصول السائلة ونسبة السيولة المطلوب الاحتفاظ بها إلى الخصوم الإيداعية، وتتجلى تأثيرات التحويلات المالية على البلدان النامية بوضوح إيجابي، ويمكنها أن تلعب دوراً أكبر في التنمية والحد من حالات الفقر،
وسواء استخدمت التحويلات لأغراض الاستثمار أو لأغراض الاستهلاك، فإنها تحقق فوائد مهمة للأسر المعيشية والمجتمعات والبلدان التي تتلقاها، ويمكن أن تحمي البلدان من التقلبات والهزات الاقتصادية، وتخلص المنظمة الدولية للهجرة إلى أن من يتلقون التحويلات المالية الدولية من الأرجح أن تُستخدم في تنظيم أعمال حرة صغيرة بعد الادخار، وتمهيد الطريق للحصول على ائتمان من أجل استخدامه كرأس مال استثماري.
إذاً لا بد من وضع سياسة قادرة على الاستفادة من المبالغ المودعة قبل تحويلها في دعم الاقتصاد الوطني تكون تحت غطاء الأنظمة والقوانين التي تنظم العمالة الأجنبية وأنشطتها الاقتصادية والتجارية، وفق آليات وإجراءات تتم طبقاً للأنظمة المرعية في الدول المرسلة والمستقبلة للعمالة، إذ من المعروف أن العمال الوافدين يشكلون الجزء الأكبر من قوة العمل في دول التعاون،
وهم يشغلون وظائف متنوعة تتراوح بين الوظائف المنخفضة الأجر التي تتطلب حداً أدنى من المهارات والتعليم، والمهن التي تستلزم معرفة فنية متقدمة للغاية، فضلاً عن الخبرة، بالمقابل لا يمكن إنكار أهمية دور العمالة الأجنبية في دول التعاون وهي بحاجة إليها في القيام بكثير من الأعمال.
كما لا ينكر حقها في الاستفادة من وجودها في دول التعاون في دعم دولها. الأمر الذي يتطلب تفعيل السياسات الاقتصادية المتعلقة بزيادة كفاءة سوق العمل في جانبي العرض والطلب بما يؤدي إلى تخفيض حجم التحويلات المرتبطة بالعمالة الوافدة، ويتطلب ذلك أيضا تبني انتهاج سياسات إصلاح لسوق العمالة الذي تدنت فيه مهارات نسبة كبيرة منهم وتركزت شريحة عريضة منهم في المهن والأنشطة الخدمية ذات معدلات إنتاجية منخفضة ـ
تعزز من خلالها تحقيق التوازن المنشود بين العمالة الوطنية التي يتعين توظيفها والعمالة الوافدة المنتجة، والتي يحتاجها الاقتصاد الخليجي، وان إفساح المجال أمام العمالة الوافدة للاستثمار في أسواق العقارات وأسواق الأوراق المالية له ما يبرره في المساعدة على تخفيض حجم تحويلات العاملين المرسلة إلى الخارج وعلى التنمية الاقتصادية للدول المرسلة للتحويلات.
Kutaiba@emirates.net.ae
كاتب ومحلل اقتصادي