نحن نكتب بأنوفنا أو من خلال أنوفنا. وهنا نحن لم نأت بجديد. فقد قالها من قبل مارسيل بروست «الشم هو حاسة الذاكرة». أحمال كثيرة نحملها، وعندما تداعب أنوفنا رائحة، ولتكن رائحة الطعام بالفلفل والبهار حين نكون جائعين، تخف الأحمال، نتذكر لهفة أمهاتنا الشقيات بحبنا، لهفتهن علينا حين نتأخر عن موعد رجوعنا من المدرسة.
الطعام الحار، والبخار يتصاعد، وهن بأصابعهن على خدودهن ينتظرن. هذه تداعيات رائحة طعام. ربما صنف واحد. فكيف برائحة البرتقال وبياراته. رائحة وطن بكامله. كيف برائحة الطين التي تجعلنا نبكي من حرقة البعد حين نغترب.
ولا نتكلم هنا عن العطور، فنحن نعرف أن العطور ومنذ الأزل ارتبطت بأجمل الذكريات، وربما بأتعسها. فالزعفران. ودهن العود مثلا، عطور طاغية، لها شخصيتها الاعتبارية الكاملة، فهناك عطور وحشية لا يمكننا مقاومتها تتداخل مع أرواحنا، تمتزج حتى الثمالة !
هناك روائح ساحرة.
ويكمن سحرها، حين نشعر بوخزة مفاجئة في فهرس الذاكرة الأمين، تقلبه، ورغم هدوئنا تجعل قلوبنا تنبض. رائحة الملابس المغسولة مثلا، أو رائحتها قبل غسلها. رائحة الأجساد الطبيعية، أي غير المخلوطة بأي نوع من «الديودرانت» أو العطور المستعملة. روائحنا الشخصية.
ننسى أحيانا بعض الأشخاص، يرحلون عنا، نرحل عنهم ربما آلاف الأميال تفصلنا عنهم.. رائحتهم تجتذبنا، والفهرس الأمين يستدعي صورهم بثوان. رائحة المطر.. الأعشاب التي بللها المطر.. المسك، والعنبر، وصلاة الجمعة. دهن الورد، ومآقينا التي تمتلئ بالدموع الحارة على من فقدنا إلى الأبد، والمنبر الذي ينعى فارسه الذي ترجل أخيرا. وتبقى رائحة الآباء والأمهات ملتصقة بنا ممتزجة بأرواحنا حتى آخر لحظة، حتى الموت.
aalsanjari@yahoo.com