تسابقت الشركات العالمية الكبرى، على غرار متاجر وول مارت وشركة فيات لصناعة السيارات، على دخول السوق الهندية، عبر مشاريع مشتركة مع رجال أعمال محليين غير أن تاريخ مثل تلك الشركات يحمل في طياته محاذير للقادمين الجدد، مفادها أن الهند، رغم نموها المطرد، وزيادة عديد طبقتها المدائنية المتوسطة يمكن أن تكون سوقاً عصية الجانب على المستثمرين الأجانب.

وهذا لم يثر حفيظة أولئك الباحثين من موطئ قدم في سوق ضخمة، مغرية، فقط، فالعوائق القانونية والثقافية واللوجستية تمثل عبئاً على الاقتصاد الهندي بحيث تحرمها من الاستثمار في ميادين رئيسية بحاجة ماسة لتعزيز نمو البلاد المتسارع، وتوزيع المنافع، فقد آلت عشرات المشاريع، التي استنبطتها شركات أجنبية وهندية إلى الضمور وفي حالات كثيرة إلى الزوال، منذ مشروع نيودلهي، في فتح اقتصاد البلاد مطلع تسعينات القرن الماضي ولقد انتهى بعضها لأن الحكومة الهندية، سمحت للشركات الأجنبية تدريجياً بالعمل بمفردها في بعض الصناعات، غير أن كثيراً منها، قوضته الخلافات بين الشركاء، والنزاعات حول الخطط التوسعية أو المصالح التنافسية للشركات، فشركة دانون، على سبيل المثال.

واجهت مقاومة شرسة من «واديا جروب شريكتها الهندية، في صانعة المعجنات برتيانيا اندستريز التي تتخذ من كلكوتا مقراً لها، فقد جرّت واديا جروب «داندون» إلى المحاكم في مومباي، في مسعى منها لردع الشركة الفرنسية، عن الاستثمار في شركة هندية أخرى، بمفردها، ويذكر أن عائلة دانون تمتلك 25 في المئة في برتيانيا عبر شركة قابضة في المملكة المتحدة في حين تؤول الحصة المتبقية إلى مساهمين عامين، ويقول الطرفان، إن الخلافات، لن تؤثر في شراكتهما.

ومن جانب آخر تبقى المشاريع المشتركة إلزامية، للشركات الأجنبية الساعية إلى دخول مناطق شاسعة، من الاقتصاد الهندي سريع النمو، بما في ذلك تجارة التجزئة، والصيرفة الاستهلاكية، والاتصالات الهاتفية، والإعلام. هذا وإن قدرة الشركات الأجنبية والهندية، على الخوض في غمار الفئات المتبقية، سيكون لها أثر بالغ على زخم التوسع الهندي السريع، ولقد راحت بعض الشركات تنأى بنفسها عن التورط في الهند، بسبب السجل السيئ للشراكات. ومن جانب آخر فإن الاقتصاد في ثاني أكبر البلدان اكتظاظاً بالسكان بعد الصين حيث يعتبر 300 مليون نسمة، من أصل مليار من الطبقة الوسطى، نما بواقع 8% في كل سنة من السنوات الثلاث الماضية.

ومن ناحية أخرى فمن بين 25 مشروعاً مشتركاً، أسست خلال الفترة الواقعة بين 1993 و2003 ثلاثة منها فقط كتب لها البقاء وفقاً لدراسة أجرتها مكنزي وشركاه.

وقالت الدراسة إن الغالبية العظمى منها غاصت في المشاكل نظراً لعجز الشركاء الهنود عن استثمار المزيد لتوسعة الأعمال التجارية بالسرعة الكافية لمواكبة طموحات الشركة الأجنبية.

غير أن البعض منها حقق نجاحاً باهراً لكلا الطرفين. ففي عام 1984 ضافرت اليابانية هوندا موتورز جهودها مع صانعة الدراجات الهوائية الهندية/ هيروسايكلز/ التي تسيطر عليها عائلة «مونجال/ لتأسيس صانعة الدراجات هيرو هوندا موتورز/ حيث تمتلك هوندا 26% من هيرو هوندا، وعائلة مونجال 26%، فيما طرحت البقية للاكتتاب العام. وتسيطر هيرو هوندا على سوق الدراجات الهندية بحصة تصل إلى 50% فهي تصنع قرابة ثلاثة ملايين دراجة نارية وسكوتر سنوياً. وتقول هيرو انها تخطط لزيادة الطاقة الإنتاجية إلى 5 ملايين خلال السنوات الثلاث المقبلة.

وفي المقابل فإن هناك شركات كثيرة اهتزت أركانها فقد أسست غارديان أند ستريزاوف أوبورن هيلتر، من ميتشجان مصنعاً للزجاج المسطح في الهند عام 1989، بمشاركة إحدى أذرع إمبراطورية عائلة مودي. ولقد غرقت صانعة الزجاج في اتون حرب قضائية مع شريكتها المثقلة بالمشاكل المالية مودي بر/ أمام محكمة دلهي العليا.

وكانت الحكومة منحت غارديان الإذن للتوسع في الهند، على الرغم من اعتراضات مودي ربر بعد استبدال القوانين للسماح للشركات الأجنبية بتأسيس مصانع للزجاج دون شركاء. غير أن مودي ربر عرقلت عملية التوسع رغم وصول منافسي غارديان العالميين.

ولقد أخذت كثير من الشركات الأجنبية تنفصل لتكوين مشاريعها المشتركة الخاصة بها. فقد انفصلت جولدمان ساكس جروب وميريل لينش عن شركائهما العام الماضي، لتأسيس عمليات مستقلة بعد إلغاء الحكومة للقيود في صناعة الصيرفة الاستثمارية.

وقامت ميريل لينش بشراء معظم حصصها المشتركة في دي اس بي ميريل لينش، بنحو 500 مليون دولار فيما باعت جولدمان ساكس حصتها في مشروعها المشترك الناجح مع كوتاك مهتدرا بنك بنحو 75 مليون دولار.

12 مليار دولار تمويلات خارجية

تتوقع الحكومة الهندية أن تصل الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 12 مليار دولار، للسنة المالية المنتهية في أول مارس، وهو ما يعادل جزءاً من الاستثمار الأجنبي المباشر في الصين البالغ 4,69 مليار دولار العالم الماضي، والهند بحاجة لاستقطاب المزيد من الأموال من الخارج. إذا ما شاءت الوصول إلى هدفها المرصود إلى 350 مليار دولار من الاستثمار العام والخاص في البيئة التحتية خلال السنوات الخمس المقبلة.

وفي هذا السياق، قال «جون باند» رئيس «زوم كورتكس» الاستشارية المالية في «مجاي». إن على كل راغب في دخول مشروع مشترك في الهند، ان يأخذ في اعتباره، امكانية الفشل، والقبول بالنتائج عند وقوع المحذور ولكن حتى الشركات الهندية التي رحبت يوماً بالشركاء الأجانب قلبت الآن ظهر المجن ففي تسعينات القرن الماضي تحالف ائتلاف هندي عائلي، هو موديكوري، مع موتورولا، ووالت ديزني وزيروكس، من بين أخرى حيث فاز رئيس مجلس ادارة موديكوري، بي كي مودي، بلقب «المشروع المشترك».

ومنذ ذلك الحين انحلت عشرات المشاريع المشتركة الخاصة به، من ضمنها، المتحالفة مع الشركات الأميركية الثلاث، إما بسبب تغير الانظمة الحكومية، التي عنت ان الشراكات لم تعد مطلوبة، أو بسبب خلافات مع شركائه. وينظر «مودي» الآن إلى المشاريع المشتركة، باعتبارها وصفات للخصومة، وعوائق أمام ميناء العلامات التجارية الهندية.

ويتذكر النصيحة التي اسداها إليه، منذ سنوات «عظيم برمجي» مؤسس «وايبرو لمتد» عملاقة التكنولوجيا الهندية، ضد مثل تلك الشراكة اعتقاداً منه أن الشركات الأجنبية ستخيم على الشركاء الهنود، وعلاماتهم التجارية الناشئة. حيث قال له بالحرف، «إياك أن تفعل وإلا اصبحت من النادمين» وفعلاً عض «مودي» أصابعه ندماً فيما بعد.« وكالات »

القيود الحكومية تثير حفيظة الشركات

في الميادين التي خفضت الحكومة فيها القيود على الاستثمارات الأجنبية لا تزال الشركات القائمة تواصل إيجاد التوترات. فعندما تبدي إحدى الشركات الأجنبية رغبة في تأسيس وحدة مستقلة منفصلة عن المشروع المشترك القائم، فإن لائحة حكومية معروفة باسم «برس توت ون» تطالب الشركة الأجنبية بالحصول أولاً على «شهادة عدم ممانعة» من شريكها الهندي، إذا ما رغب المصنع المستقل بمزاولة العمل التجاري ذاته. قوّض ذلك خطط صانعة قطع غير السيارات اليابانية «تاكاتا»، لتأسيس وحدة مستقلة في الهند، حيث كانت الشركة أسست في عام 2002، مشروعاً مشتركاً مع ابهيشك أوتواندستريز، لتصنيع أحزمة الأمان، والنوافذ الآلية، وهنا، لابد من القول إن الحكومة لم تعد تقيد المشاركة الأجنبية في الصناعة، بيد أن ابهيشك امتنعت عن إعطاء تاكاتا إذناً للسير قدماً في تجارة مستقلة.

ومن جانب آخر، فإن المشاركة في كثير من القطاعات المهمة، ما زالت إلزامية، فقد عقدت وول مارت، على سبيل المثال، شراكة مع بهارتي انتدبرايزز، الشركة التي تدير واحدة من أكبر شبكات الاتصالات اللاسلكية في الهند. وفي الوقت الذي لن تتمكن فيه بهارتي من امتلاك متاجر التجزئة، التي لا يمكن السيطرة عليها من قبل المستثمرين الأجانب، فإن وول مارت، ستقدم تجارة الجملة والدعم اللوجستي وهما صناعتان يسمح فيهما للسيرة الأجنبية. وتنافس وول مارت، تيسكو البريطانية وكارفور الفرنسية في البحث عن شركاء في الهند.

ترجمة : وائل الخطيب