حظيت إستراتيجية السياحة في أبوظبي بمساحة واسعة من اهتمامات المشاركين في ملتقى أبوظبي الاقتصادي الذي اختتم فعالياته أمس بفندق قصر الإمارات وعكست المناقشات التي جرت خلال جلسة العمل الأولى في اليوم الثاني للملتقى والتي تمحورت حول اتجاهات السياحة بالإمارة الأهمية التي توليها الجهات المختصة لتطوير صناعة السياحة باعتبارها احد المرتكزات الأساسية في الرؤية الاقتصادية التي تعتمدها إمارة أبوظبي وفق إستراتيجية تقصي تطوير كافة المرافق المرتبطة بهذه الصناعة وتعزيز موقع أبوظبي على الخريطة العالمية للسياحة.
وأكد الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان رئيس هيئة أبوظبي للسياحة أن إنشاء هيئة أبوظبي للسياحة في سبتمبر 2004 يعتبر مؤشرا على بداية مرحلة جديدة لهذا القطاع في الإمارة. وتضطلع الهيئة بمهام واسعة تتضمن تسويق أبوظبي كوجهة سياحية وتطوير البنى التحتية، وهي تتولى أيضا شؤون التراخيص السياحية وتصنيفاتها، الأمر الذي يتيح لنا كل الأدوات اللازمة لتنظيم قطاع السياحة في أبوظبي وتطويره بشكل فعال ومنسجم.
وأضاف في كلمته التي ألقاها في جلسة «إستراتيجية السياحة في أبوظبي» في إطار فعاليات اليوم الثاني والأخير لمنتدى أبوظبي الاقتصادي الذي اختتم أعماله أمس في قصر الإمارات أن الهيئة ومن خلال هذه المهام تقوم بدور المنظم الرئيسي لأعمال المستثمرين، وتلعب دور المحرك الأساسي في تحفيز وتشجيع استثمارات القطاع الخاص في قطاع السياحة من خلال عقد شراكات استثمارية.
وقال استطعنا خلال السنتين الماضيتين تأكيد إمارة أبوظبي كوجهة سياحية عالمية، خاصة في الأسواق الأوروبية الرئيسية. ويتمثل هدفنا في مضاعفة عدد نزلاء الفنادق ليبلغ سنويا 3 ملايين سائح في عام 2015. ولمواكبة الزيادة المتوقعة في عدد السياح، يستوجب علينا مضاعفة عدد الفنادق في الإمارة.
وأشار في هذا الصدد إلى ما يشهده مطار أبوظبي الدولي حاليا من توسعة بقيمة 7 .5 مليارات دولار تحسبا للزيادة المرتقبة في عدد السياح. ويتمثل المشروع في مضاعفة مساحة المطار الحالية وتزويده بمرافق جديدة قادرة على استيعاب 20 مليون مسافر مع حلول سنة 2010 و50 مليون مسافر عند اكتمال مشروع التوسعة. كما يضم المشروع إنشاء مبنى رفيع المستوى خاص بشركة الاتحاد للطيران وهي الناقل الوطني لدولة الإمارات، وهي كما تعلمون واحدة من أسرع شركات الطيران تناميا وتطورا في العالم، حيث استطاعت منذ إنشائها سنة 2003 تأسيس شبكة رحلات تغطي 38 وجهة في العالم.
ومن أهم المشاريع القائمة في أبوظبي مشروع تطوير جزيرة السعديات التي تقع على بعد 500 متر شمال شرق مدينة أبوظبي. وتضطلع شركة التطوير والاستثمار السياحي التابعة لهيئة أبوظبي للسياحة بمسؤولية تطوير البنية التحتية للجزيرة.
وأكد الشيخ سلطان أن هذه الفعاليات الدولية تلعب دورا أساسيا في تحفيز القطاع السياحي والارتقاء بصورة أبوظبي السياحية على الصعيد الدولي. وفي هذا السياق جاءت بطولة أبوظبي للغولف التي تم تنظيمها في شهر يناير الماضي بالمشاركة مع اتحاد لاعبي الغولف في أوروبا - PGA والتي حظيت بتغطية إعلامية وصلت إلى أكثر من 300 مليون منزل في 60 دولة بواقع بث تلفزيوني بلغ 700 ساعة تقريبا.
وأشار رئيس هيئة أبوظبي للسياحة إلى أن قوة الاقتصاد تكمن في قدرته على استيعاب التحولات السريعة، حيث إن القوى الدافعة للتنوع الاقتصادي وخصخصته وتحريره في إمارة أبوظبي تتميز بالمتانة والاستمرارية بما يتناسب و التطورات الإقليمية والدولية. ونحن حتما سنرى نهضة كبيرة وواسعة في مجال التعاون بين أبوظبي وشركائها الدوليين.
وشدد على أن أبوظبي حريصة على تحقيق العناصر الضرورية لضمان مكانتها كوجهة سياحية و اقتصادية ناجحة، وذلك من خلال إنشاء بنى تحتية ذات مستويات عالمية وجودة وهوية متميزة. كما أن أفضل الممارسات لمبادئ التنمية البيئية المستدامة تتكامل مع تصاميم وإدارة الوجهات العامة التي تتميز بالتراث الأصيل والثقافة العربية التي سنحافظ عليها لتبقى عنصرا حيويا في استقطاب السياح.
من جانبه أكد مبارك حمد المهيري مدير عام هيئة أبوظبي للسياحة أن تركيز إمارة أبوظبي على القطاع السياحي كأحد محركات التنمية في الإمارة لا يأتي فقط على سبيل تنويع الهيكل الاقتصادي لأبوظبي، بل لأن القطاع السياحي يتقاطع مع العديد من القطاعات الخدمية المرتبطة به، وأن التطوير السياحي يعني في جانب منه تطوير قطاعات أخرى مثل المطار والمواصلات التي ستشهد إعادة هيكلة في الشهور القليلة المقبلة، وغيرها.
وأشار خلال جلسة النقاش التي عقدت على هامش منتدى أبوظبي الاقتصادي إلى أن استهداف الإمارة لثلاثة ملايين سائح في العام 2015 يعني أن أبوظبي لا تبحث عن السياحة المفتوحة ولكنها تركز على سياحة رجال الأعمال والمؤتمرات والحوافز والاجتماعات لتمثل في ذلك التاريخ 50% من حجم السياحة الوافدة إلى الإمارة عوضا عن 25% في الوقت الراهن.
وأوضح أن الوصول إلى هذا المستهدف يتطلب إضافة 18 ألف غرفة فندقية جديدة حتى عام 2015، وأن كثافة الطلب على الفنادق ستستمر حتى العامين المقبلين إلى أن تستطيع الإمارة تلبية الطلب المتنامي مع دخول 5000 غرفة جديدة الخدمة في العام 2009، مؤكدا أن هذا يمثل أهم التحديات التي تواجهها الإمارة في الوقت الراهن.
وأشاد المهيري بالاستجابة السريعة من القطاع الخاص الذي يتحمل مسؤوليته في هذا الشأن جنبا إلى جنب مع هيئة أبوظبي للسياحة بعدما تأكد من جدية تطوير القطاع السياحي وتنامي جهود الترويج للإمارة في الخارج.
من ناحيته قال ناصر النويس الرئيس التنفيذي لشركة روتانا أن القطاع السياحي في الإمارة بدأ يتطور قبل عامين مع تدشين رؤية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، والتي سمحت بإطلاق جهود الترويج للإمارة كوجهة سياحية من خلال هيئة أبوظبي للسياحة التي افتتحت مكتبين تمثيليين في لندن وفرانكفورت، وأشركت مواطني الدولة في عملية الاستثمار السياحي في القطاع، وأتاحت للوافدين كذلك الاستثمار لمدد تصل إلى 99 سنة.
ودلل النويس على التطور الذي شهده القطاع السياحي في أبوظبي موضحا أن فنادق المجموعة كانت تحقق نسبة إشغال تصل إلى 70% في العام 2004 فيما كان متوسط دخل الغرفة الواحدة يصل إلى 100 دولار في اليوم، أما في 2006 فان معدل الإشغال يصل إلى 90% ومعدل الدخل يصل إلى 200 دولار يوميا.
وفي موضوع متصل قال خليفة ناصر المنصوري الرئيس التنفيذي لشركة أبوظبي الوطنية للفنادق إن تطورا كبيرا طرأ على المفاهيم والمبادئ السياحية المعروفة فلم يعد السياح يزورون البلاد للتعرف على معالمها الأثرية، بل تنوعت المقاصد السياحية بين المؤتمرات والعمال والفعاليات الرياضية والثقافية، مشيرا إلى أن إمارة أبوظبي اتخذت خطوات كبيرة في تدعيم مركزها كوجهة لهذه المقاصد وأنه يجري العمل في هذه الأثناء على مركز أبوظبي الدولي للمعارض الكبرى من نوعه في الشرق الأوسط والذي تبلغ مساحة القاعة فيه 60 ألف متر مربع.
وأضاف المنصوري انه قبل قيام الهيئة كان حضور المؤسسات العاملة في القطاع السياحي فرديا أما الآن فأصبح الحضور تقوده هيئة أبوظبي للسياحة التي باتت تقود عملية الترويج للإمارة في الداخل والخارج.
من ناحيته قال جايمس هوجان الرئيس التنفيذي لطيران الاتحاد إن الزخم السياحي في الإمارة أتاح للاتحاد فرصة النمو السريع وفي أوقات قياسية، مشيرا إلى أن الناقلة الوطنية لإمارة أبوظبي تطير حاليا إلى 47 وجهة عالمية مختلفة، وان آفاق نمو صناعة الطيران في هذا الجزء من العالم غير محدودة حيث تصل مساهمة المنطقة في السياحة العالمية ما نسبته 3%، وهي نسبة مرشحة للزيادة مع ما تمتلكه المنطقة من خصائص فريدة.
وأضاف أن طيران الاتحاد تشارك حاليا في خطة متكاملة مع القطاعات الأخرى في أبوظبي تسعى إلى توفير الخدمات المناسبة للأعداد المتزايدة من الزائرين، وان هذا يتطلب من جهة أخرى الاعتماد المتزايد على العناصر البشرية المؤهلة، لذلك تعمل طيران الاتحاد على تطوير برامج قوية للعاملين فيها لتعزيز حضور ومكانة العلامة التجارية.
وكان لملف التوطين نصيب كبير من المناقشات والمداخلات حيث شهدت الجلسة مساهمات من الحضور في هذا الشأن والتي حذرت من إغفال هذا الملف الهام، وفي معرض إجابته قال مبارك حمد المهيري إننا شهدنا تجارب عديدة في الدول الخارجية التي اتخذت الجهات المسؤولة فيها منحى الضغط على شركات القطاع الخاص من أجل التوطين، ولكن هيئة أبوظبي للسياحة استطاعت توطيد علاقات شراكة مع القطاع الخاص بشكل يؤشر لقبول أكبر من هذا القطاع للمواطنين في صفوفه وكذلك قبول اكبر من المواطنين للانخراط في العمل في القطاع السياحي.
وقال جيمس هوجان إن طيران الاتحاد حريصة في كل الأوقات على أن تكون لديها الموارد البشرية العاملة في هذا القطاع مشيرا إلى أن الشركة عقدت اتفاقات مع عدد من المؤسسات التعليمية في الإمارة لتدريب الطلاب وتأهيلهم للانضمام لصفوف العاملين في الشركة.
وتمحورت جلسة النقاش الثانية حول موضوع التطوير العقاري بمشاركة فارس اليبهوني نائب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب في شركة صروح العقارية والمهندس احمد اليافعي المدير العام لشركة القدرة العقارية والمهندس أكرم أبو حمدان المدير العام لشركة موارد في الأردن وجون شو الرئيس التنفيذي للاستثمار في الدار العقارية وعادل الشيراوي الرئيس التنفيذي لشركة تمويل.
وأشار المشاركون إلى أن إمارة أبوظبي تشهد انطلاقة جيل جديد من شركات التطوير العقاري التي تخطط إلى تنفيذ مشاريع ضخمة من شأنها إعادة تشكيل الوجه العمراني وميزان العرض والطلب في السوق العقاري.
وتناول المشاركون واقع ومحركات السوق العقارية في أبوظبي والانعكاسات المتوقعة على السوق العقاري والنواحي القانونية إضافة إلى التفاعل مع أسواق العقار الأخرى في المنطقة. وقال فارس اليبهوني إننا نشهد الآن مرحلة انتقالية تمخض عنها إنشاء شركات عقارية ضخمة اتخذت شكل شركات مساهمة عامة وأخرى خاصة، مشيرا إلى أن هذه الشركات سوف تساهم بفعالية في تحقيق رؤية الإمارة في القطاع العقاري.
وأكد أن إمارة أبوظبي تتمتع بمزايا تنافسية كبيرة في قطاعات عديدة ستجعل الإمارة مقصدا مهما من قبل الشركات الراغبة من الاستفادة من الفرص المتوفرة.
ومن جهته أوضح المهندس احمد اليافعي أن المشاريع العقارية أصبحت وعاء للعديد من القطاعات الاقتصادية وان القدرة العقارية تطور مجمعات ومدنا تلبي الاحتياجات الكبيرة المتوقعة والطلب المتنامي على الوحدات السكنية والتجارية في ظل النمو الاقتصادي المتواصل الذي تشهده الإمارة والدولة وكذلك التطور الذي تشهده في قطاعات الأعمال والسياحة والمعارض والتجارة والاستثمار.
وأشار «جون شو» إلى أهمية تنفيذ مشاريع تحفز النمو الاقتصادي وتلبي الطلب المتزايد وفي نفس الوقت لا تؤثر سلبا على خطط حماية البيئة.
ومن جهته أكد عادل الشيراوي أن استقرار أسعار البترول مهم جدا للنمو الاقتصادي خاصة وان الفوائض التي يتم تحقيقها من هذا النمو يتم ضخها في الاستثمار بمشاريع البنية التحتية ومشاريع التطور الأخرى ومنها القطاع العقاري.
وأشار إلى أن أبوظبي خطت خطوة رائدة بإصدار القانون العقاري الذي يسمح بالتملك لمدة 99 عاما وان من شأن ذلك أن يساعد على طرح سندات لتلبية احتياجات التمويل للسوق العقاري بدولة الإمارات الذي يقدر حجمه بحوالي تريليوني درهم حيث لا تستطيع البنوك تقديم هذا الحجم الكبير من التمويل.
وركزت جلسة النقاش الثالثة أمس على موضوع النقل والمناطق الاقتصادية الخاصة بمشاركة خليفة المزروعي رئيس شركة أبوظبي للمطارات واحمد سعيد الكليلي العضو المنتدب في الشركة والمهندس جابر حارب الخيلي الرئيس التنفيذي للمؤسسة العليا للمناطق الاقتصادية المتخصصة في أبوظبي.
واستعرض المشاركون خطط تطوير قطاع النقل «الموانئ والمطارات» وفرص الشراكة بين القطاعين الخاص والعام ودور المناطق الاقتصادية الخاصة. أما جلسة النقاش الختامية فقد ركزت على موضوع التكامل والتنافس في التجارة والاستثمار.
وتمحورت المناقشات حول إمكانية أن تؤدي توجهات أبوظبي الجديدة إلى فتح باب المنافسة مع صناعات مماثلة في الإمارات الأخرى والبلدان المجاورة أم أنها ستؤدي إلى زيادة دور هذه الصناعات في الأسواق العالمية وهل سيكون هناك دور اكبر يمكن أن تلعبه الشركات الخليجية في التوسع الاقتصادي الحاصل في أبوظبي وما هي الإصلاحات المطلوبة لزيادة تدفق الاستثمار والتجارة بين بلدان الخليج وبينها وبين البلدان الأخرى.
وترأس الجلسة الدكتور جاسم المناعي الرئيس والمدير العام لصندوق النقد العربي وشارك فيها الدكتور عبد الكريم الارياني رئيس وزراء اليمن الأسبق ومرزوق الخرافي نائب رئيس مجموعة الخرافي والمهندس صلاح الشامسي رئيس غرفة أبوظبي وعبد الرحمن الزامل رئيس مجموعة الزامل.
أبوظبي ـ احمد محسن
