بدأت في أبوظبي أمس فعاليات ملتقى أبوظبي الاقتصادي التي تعقد تحت رعاية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة وتستمر لمدة يومين.

وأكد سمو الشيخ حامد بن زايد آل نهيان رئيس ديوان ولي عهد أبوظبي في كلمة له بالجلسة الافتتاحية ان أبوظبي حكومة وشعبا تقف على أهبة الاستعداد لتحقيق انجازات جديدة تنسجم والرؤية الطموحة لقيادتنا الرشيدة موجها الدعوة لكل من لديه اهتمام بالفرص الاستثمارية التي تتيحها الإمارة للإسراع في اغتنام هذه الفرص والمشاركة في صناعة المستقبل المشرق الذي نطمح إليه. وقال سمو الشيخ حامد بن زايد: إنني آمل ان تجدوا من خلاله كل ما تطمحون إلى معرفته عن الرؤية الاقتصادية لإمارة أبوظبي وجهود إعادة الهيكلة الحكومية التي نحن بصددها، اضافة إلى الفرص الاستثمارية التي تتيحها أبوظبي أو تطمح إلى فتح الأفاق أمامها مستقبلا.

وأضاف: كما يعرف الجميع، فقد انعم الله على أبوظبي بالموارد النفطية وتمكنا تحت القيادة الحكيمة للمغفور له الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، من بناء دولة نفخر بالمكانة الاقتصادية والسياسية، الرفيعة التي حققتها على مستوى المنطقة خلال فترة وجيزة. وأشار سمو الشيخ حامد بن زايد إلى ان أبوظبي تقف اليوم على أعتاب مرحلة مهمة من التحول الاقتصادي فقيادتنا السياسية عاقدة العزم على الاستفادة من الانجازات القائمة عبر توظيفها والبناء عليها من اجل الوصول إلى اقتصاد حيوي ومتنوع، يشكل مركز جذب للاستثمارات ويتسم بقدرات تنافسية وتصديرية عالية وبالاستخدام الكثيف لرأس المال والمعرفة. كما ان الرؤية الإستراتيجية التي نعمل وفقا لها، تطمح بقوة إلى جعل اقتصاد أبوظبي أكثر انفتاحا واتصالا وتفاعلا مع الاقتصاد العالمي، على نحو يمكن أبوظبي من تبوأ دور مهم على صعيد تنقل الأفراد وتدفق السلع والخدمات والمعلومات والأفكار عبر القارات.

وأكد سموه ان القطاع الخاص يشكل عنصرا محوريا ضمن عملية التحول الاقتصادي الماثلة أمامنا، ومن هذا المنطلق، فان لدى الحكومة بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، قناعة تامة بضرورة توفير كل سبل الدعم لهذا القطاع وتيسير أعماله وإتاحة مساحات واسعة أمامه للاستثمار، وذلك على نحو يمكنه من الإسهام بفاعلية في دفع مسيرة النمو والتحديث والتطوير بالإمارة، وفي هذا السياق، فاننا سنبذل قصارى جهدنا لتحسين بيئة الأعمال والمناخ الاستثماري بغرض تفعيل دور القطاع الخاص وتمكينه من تطوير قدرات ذاتية تجعله قادرا على المنافسة بقوة في الأسواق الخارجية إقليميا وعالميا، وبالتالي تعزيز مكانة اقتصاد أبوظبي على المستوى الدولي.

وذكر سموه ان الحكومة ستعمل في غضون ذلك على ضمان توافر الأطر التشريعية والبنى التحتية والسياسات الكلية، وبمعايير تضمن للقطاع الخاص إمكانية العمل ضمن بيئة صحية ومحفزة على الجد والعطاء والابتكار، أي ان المسيرة المستقبلية لاقتصاد أبوظبي سيكون عمادها الرئيسي شراكة دائمة ومتينة بين الحكومة والقطاع الخاص على كافة ما يلزم من أصعدة. وأشار سموه إلى ان إمارة أبوظبي تعكف على تنفيذ برنامج واسع لإعادة الهيكلة الحكومية بغية الوصول إلى نمط من الإدارة الحكومية يتيح على نحو فاعل إمكانية تحقيق مثل هذه العلاقة واستمرارها. وضمن هذا الإطار تم إطلاق عدد من المبادرات المهمة التي تركز على التنمية الاقتصادية وتدعم أنشطة الاستثمار الخاص من خلال تبني مفهومي الخصخصة والشراكة بين القطاعين العام والخاص.

وقد أسفرت جهود إعادة الهيكلة أيضا عن استحداث مؤسسات جديدة لديها أهداف محددة وواضحة، ويشارك فيها القطاع الخاص بادوار رئيسية ومن الأمثلة على هذه المؤسسات: مجلس أبوظبي للتطوير الاقتصادي، وهيئة أبوظبي للسياحة، كما ان العمل يجري على قدم وساق من اجل الارتقاء بمستوى الخدمات الصحية والتعليمية بالإمارة، وذلك من خلال مجلس أبوظبي للتعليم والهيئة العامة للرعاية الصحية.

ولفت سموه إلى انه يجري في الوقت الحالي تركيز الجهود بغرض دفع عجلة التنمية الصناعية من خلال توفير البنى التحتية، المثلى سواء في أبوظبي أو العين أو الرويس عن طريق المؤسسات العليا للمناطق الاقتصادية المتخصصة. كما يتم ايلاء مزيد من الاهتمام لقضايا التأهيل والتدريب الفني للموارد البشرية، ولأسواق رأس المال وكذلك لقضايا التمويل الطويل الأجل للمشروعات بمختلف أحجامها.

وقال إن أعظم الثروات التي يمكن ان يمتلكها أي اقتصاد تتمثل في وجود رؤية مشتركة حيال مستقبل أفضل، اضافة إلى إرادة جازمة لتحقيق تلك الرؤية، ونحن لدينا قيادة تمتلك رؤية واضحة وإرادة حقيقية، كما ان هذه القيادة تحظى بدعم شعب يتطلع إلى مستقبل أكثر ازدهارا، وحقبة جديدة من تاريخ أبوظبي تستند إلى انجازات المؤسس الكبير الوالد الشيخ زايد رحمه الله.

وفي كلمه لها بالجلسة الافتتاحية أكدت معالي الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي وزيرة الاقتصاد ان دولة الإمارات أصبحت مركز استقطاب لأنواع مختلفة من الاستثمارات العالمية وذلك لتوفر المناخ الاستثماري من جهة وتعدد الفرص الاستثمارية المتاحة من جهة أخرى.

واستهلت الوزيرة القاسمي كلمتها بان دولة الإمارات العربية المتحدة بفضل الفكر المنفتح والرؤى الثاقبة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله والتوجيهات السديدة والمتابعة المستمرة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله.

دت نقلة نوعية في برامجها الاقتصادية اتسعت لها كافة إمارات الدولة وأصبحت اليوم مركز استقطاب عالمي لرجال الأعمال والمستثمرين ومحطة تلتقي فيها الفعاليات الاقتصادية من مختلف أنحاء العالم، كما أصبح لها حضور متميز في الهيئات والمحافل الدولية، مواكبة بذلك المتغيرات المستجدة على الساحة الاقتصادية الإقليمية والعالمية حتى أصبحت الدولة لاعبا أساسيا فيها.

وأضافت نستطيع ان نقول بكل ثقة واطمئنان بانه على الرغم من الأزمات والضغوط التي شهدها العالم مؤخرا فان أداء اقتصاد دولة الإمارات يعتبر أداء جيدا ومتميزا.

ويمكن لنا ان نرى حجم التحول النوعي الذي طرأ على اقتصادنا الوطني من خلال أهم المؤشرات الاقتصادية المقارنة بين عامي 2005 و2006 فالناتج المحلي الإجمالي لسنة 2006 ارتفع إلى 599.2 مليار درهم بمعدل نمو قدره 23.4% عن العام 2005 ليبلغ معدل نصيب الفرد منه 139 الف درهم بعد ان كان 110 آلاف درهم في العام 2005.

كما ان الاستثمار المحلي هو الأخر ارتفع إلى 127.7 مليار درهم بمعدل نمو قدره 28.3% عن العام 2005، في حين ارتفعت قيمة صادرات الدولة السلعية إلى 514 مليار درهم بمعدل نمو قدره 15.1% عن العام 2005، يقابل ذلك ارتفاع قيمة الواردات السلعية إلى 359.4 مليار درهم بمعدل نمو قدره 15.6 عن العام 2005.

وأكدت وزيرة الاقتصاد ان هذه المؤشرات الاقتصادية تبرهن على قوة اقتصاد الدولة وسلامة نهجها ووضوح إستراتيجيتها التنموية والتي استندت على أساس استغلال العوائد النفطية في بناء اقتصاد مزدهر تتمتع فيه القطاعات الاقتصادية بقدرات تنافسية عالية، والعمل على تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على مورد واحد.

يث يعتبر القطاع الصناعي في الدولة ثاني اكبر مساهم في الاقتصاد الوطني اذ يشكل ناتجه نسبة 13% من إجمالي الناتج المحلي للدولة، في نفس الوقت الذي بدأ القطاع السياحي يأخذ حيزا كبيرا من اهتمام الدولة اذ رصدت له مليارات الدراهم لتطويره لما يتمتع به من مقومات كبيرة ومشجعة ودعما للنجاحات التي حققها في استقطاب السياح من مختلف أنحاء العالم حتى ا ن المجلس العالمي للسياحة والسفر توقع ان يدر القطاع السياحي في دولة الإمارات حوالي 46.5 مليار دولار في العام 2016 نتيجة القفزة النوعية التي يشهدها القطاع حاليا.

وقالت الشيخة لبنى: لقد أصبحت دولة الإمارات مركز استقطاب لأنواع مختلفة من الاستثمارات العالمية وذلك لتوفر المناخ الاستثماري من جهة وتعدد الفرص الاستثمارية المتاحة من جهة ثانية، وقد بلغ نسبة استثمار القطاع الخاص 43% من إجمالي الاستثمار في الدولة، ونظرا لتعاظم دور القطاع الخاص في العملية التنموية وقدرته الكبيرة في إدارة المشاريع المختلفة فقد عمدت الدولة في الآونة الأخيرة إلى انتهاج أسلوب الخصخصة في عدد من المشاريع التي كانت تعتبرها الدولة سابقا من مسؤوليتها المباشرة كالكهرباء والماء وبعض الصناعات الأخرى.

كما ان هناك أفاقا استثمارية مشجعة تتيح للمستثمرين فرصا عديدة للاستثمار فيها كالصناعات البتروكيماوية والغاز والصناعات البحرية والصناعات التعدينية والصناعات الغذائية وصناعة السياحة والخدمات اضافة إلى صناعات المعلومات والتقنية الحديثة، بعد ان وفرت الدولة كامل البنية التحتية لها ومستلزمات الخدمات المطلوبة فيها.

وأشارت إلى ان من أهم العناصر الجاذبة للاستثمار في دولة الإمارات هي الاستقرار السياسي والأمني مصحوبا باستقرار اقتصادي، واستكمال البنية الأساسية وفق ارقى المواصفات العالمية مع ثبات سعر صرف العملة الإماراتية، ووضوح القوانين والإجراءات والتشريعات الاقتصادية، وتفاعلها مع ما يستجد على الساحة الاقتصادية محليا وعالميا من متغيرات بهدف تعزيز الاقتصاد الوطني والمحافظة على استقرار السوق التجارية.

وجود سوق متطورة للأوراق المالية، اضافة إلى سلسلة أخرى من القواعد والأحكام الثابتة كالإعفاء التام من الضرائب وحرية تحويل الأرباح وأصول الاستثمار إلى الخارج، وإعفاء الواردات من السلع الغذائية والسلع الوسيطة المستخدمة في الصناعات المحلية من الرسوم الجمركية اضافة إلى رسوم جمركية على السلع الأخرى بحد أقصى 5%، والإيجار الرمزي للأراضي الصناعية، وأسعار تشجيعية للماء والكهرباء.

مما جعل الإمارات مستقطبة في مطلع العام 2006 لحوالي 37 مليار درهم من الاستثمارات الأجنبية والتي تمثل ثلث الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تدفقت على العالم العربي.

كذلك وضعت الدولة خيارات عديدة امام المستثمرين سواء كان ذلك داخل الدولة بتوفير المدن الاستثمارية المتخصصة أو الاستثمار في المناطق الحرة المنتشرة في إمارات الدولة، والتي بلغت أكثر من 16 منطقة حرة وهي عضوة في مؤسسة اتحاد المناطق الحرة الدولية.

وقالت وزيرة الاقتصاد: اننا نفتخر في الدولة اليوم بأن القطاع الخاص فيها قد تعدى الحدود الجغرافية لها لينفذ مشاريع ضخمة وعملاقة في مختلف أرجاء العالم ويرسو عليه تنفيذ المشاريع المختلفة لجودته العالية في التنفيذ وقدرته التنافسية أمام الآخرين، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل بدأت دول العالم تطلب من دولتنا إدارة العديد من مرافقها الاقتصادية كالموانئ مثلا وذلك للكفاءة العالية والتجربة العملية الناجحة التي تتمتع بها إدارتنا الاقتصادية والنتائج الباهرة التي حققتها.

وأضافت ان برنامج الدولة في التنمية لم يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط وإنما كان للجانب الاجتماعي ثقل كبير في برامجها وذلك لبناء الإنسان القادر على العمل والإنتاج باعتباره محور التنمية وهدفها.

حيث عمدت الدولة على الارتقاء بمستوى الصحة والتعليم والإسكان والماء والكهرباء والرعاية الاجتماعية وتنمية الموارد البشرية والخدمات الأخرى، حيث رصدت للخدمات الصحية أكثر من 5 مليارات درهم في ميزانيتها للعام 2007 لتغطي جانبا مهما من جوانب الرعاية الاجتماعية للمجتمع. كذلك شجعت الدولة على الاستثمار في قطاعات التعليم الأكاديمي والفني والمهني وإطلاق برامج التدريب وإنشاء إدارات ووحدات للدراسات والأبحاث وذلك لتنمية الموارد البشرية، حتى أصبحت الدولة اليوم تتمتع بسمعة جيدة في هذا المجال مما جعل العديد من الجامعات العالمية تبدأ بفتح فروع لها في مختلف إمارات الدولة.

وفي جانب آخر عملت الدولة وفق برامج منهجية ومدروسة على النهوض بالمرأة حتى أصبحت المرأة الإماراتية اليوم مساهما رئيسيا في عملية البناء والتقدم، وتشارك اليوم في السلطتين التنفيذية والتشريعية وأصبحت نموذجا رائعا للمرة العربية التي تجمع بين الأعراف والقيم وتتزود بكل صنوف العلم والمعرفة.

وذكرت معالي الشيخة لبنى القاسمي انه على الصعيد الدولي فقد انضمت الدولة منذ العام 1996 إلى منظمة التجارة العالمية، وبدأت تشرع القوانين وتعدل بعضها بما يتوافق مع قرارات المنظمة المذكورة، وكان لها حضور متميز في اجتماعات المنظمة ومداولاتها، كذلك كانت الدولة من المؤسسين لمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى التي دخلت حيز التنفيذ منذ العام 2005.

ذلك دعما للتجارة العربية البينية. كما تم انشاء الاتحاد الجمركي الخليجي الذي يعتبر الخطوة المتقدمة في تطبيق الاتفاقية الاقتصادية الموحدة بين دول المجلس وصولا إلى السوق الخليجية المشتركة، كما اننا بصدد إقامة اتفاقيات مناطق تجارة حرة مع العديد من الدول والتكتلات الاقتصادية كالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية واستراليا وغيرها من دول العالم.

وقالت: هذه هي اللوحة الاقتصادية الزاهية التي تعيشها دولة الإمارات، والتي أصبحت مضربا للمثل ومثارا للإعجاب لدى العديد من الدول من خلال الشخصيات العالمية والوفود الاقتصادية التي زارت الدولة، وكانوا خلال مقابلاتنا لهم يعربون عن إعجابهم بالتطور الحاصل خلال هذه الفترة القياسية من عمر الدولة، كذلك أشادت العديد من المنظمات والهيئات الاقتصادية العالمية بالخطوات الاقتصادية التي أقدمت عليها الدولة في تعزيز اقتصادها.

وقالت أيضا: أشير هنا إلى واحدة منها وهي التي أشاد فيها صندوق النقد الدولي في تقريره الذي جاء بعد زيارات متكررة للدولة بالسياسة الاقتصادية التي تنتهجها الدولة وخاصة في استغلال الموارد النفطية في تنمية القطاعات الاقتصادية وكذلك في تطوير الموارد البشرية، وقد وصف التقرير السياسة المالية في الدولة بالسياسة الحكيمة، كما اثنى على السياسة النقدية من حيث أسلوب الرقابة الإشرافية على القطاع المالي وقوة القطاع المصرفي وما تنتهجه السلطة النقدية في الدولة إزاء مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

كما أشاد التقرير بدعم الدولة للقطاع الخاص وتفعيل دوره في الاقتصاد الوطني وبالتشريعات المساندة له حيث اتبعت سياسة الانفتاح الاقتصادي وشجعت الاستثمارات الخاصة مما أدى إلى نمو الاقتصاد الوطني بوتائر عالية.

وخلال الجلسة الافتتاحية أيضا اكد عبد الله بن حمد العطية النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الطاقة والصناعة في دولة قطر ان التعاون والتكامل الإقليمي بين الأقطار العربية في كافة المجالات ومن أهمها المجال الاقتصادي أصبح أكثر إلحاحا من أي وقت مضى في ظل تنامي التكتلات السياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم، في الوقت الذي لا تزال فيه الاقتصادات العربية عبارة عن مجموعة من اقتصادات متناثرة ومتباينة من حيث مواردها الطبيعية وقدراتها الإنتاجية، كما ان أداءها الحالي لا يتواكب مع حجم التحديات التي تواجهها، ولا يرقى إلى إمكاناتها المادية والبشرية وطاقاتها الكامنة.

وأضاف انه لكي نتمكن من تحقيق التعاون والتكامل فيما بيننا فاننا بحاجة إلى وضع استراتيجيات مشتركة وآليات محددة للتنفيذ ضمن رؤية ومنطلقات واضحة كفيلة بتحقيق ذلك، ومن أهم تلك المنطلقات التي يجب ان يبنى عليها التعاون الإقليمي الفصل بين الجوانب السياسية والاقتصادية، فلا تزال العلاقات السياسية بين الحكومات العربية تلقي بظلالها على العلاقات الاقتصادية، مما ينعكس بشكل سلبي ومباشر على الأداء الاقتصادي العربي ويقف عائقا امام انتقال عناصر الإنتاج، بما فيها رؤوس الأموال بين الحدود.

وأكد العطية على أهمية الفصل بين السياسة والمصالح الاقتصادية وان يكون هناك إدراك تام من قبل حكومات دول المنطقة بان المنجزات الاقتصادية المشتركة تشكل دعائم أساسية لثبات واستقرار الأنظمة السياسية ولن يتحقق هذا الا من خلال إرادة سياسية حقيقية، ولنا في تجربة السوق الأوروبية المشتركة اكبر مثال حيث تمكنت تلك الدول ان تحقق الكثير من الانجازات الاقتصادية بين دول الاتحاد الأوروبي دون ان تؤثر على أنظمة الحكم السياسية في تلك الدول.

وأشار العطية إلى ان تجارة الطاقة عبر الحدود، خاصة من خلال ربط الشبكات الكهربائية، وشبكات الغاز الإقليمية بين دول الخليج تحقق نموذجا يحتذى للتعاون الإقليمي بشكل أوسع، ومن منجزات هذا التعاون التي تجدر الإشارة إليها في مجال الطاقة مشروع الدولفين الذي سيتم من خلاله تصدير ملياري قدم مكعب يوميا من الغاز القطري إلى دولة الإمارات وسلطنة عمان الشقيقتين عبر خطوط الأنابيب لتلبية احتياجات المشاريع الصناعية من الغاز، ويعد مشروع الدولفين أهم مشاريع الطاقة في الشرق الأوسط حيث يهدف إلى إقامة أسواق جديدة للطاقة من خلال إنشاء أول شبكة لنقل الغاز الطبيعي عبر الحدود بين دول مجلس التعاون.

وأشار أيضا إلى ان قطاع الطاقة في المنطقة العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص يلعب دوراً بارزاً حيث تشكل عائدات تصدير النفط والغاز حجر الزاوية في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في تلك الدول، فأسعار النفط الذي يشكل الجانب الأعظم من الصادرات العربية وصلت إلى مستويات بات من المهم المحافظة على استمرارها وتحسينها بشكل مستمر لتعكس الكلفة الحقيقية لهذه الموارد الناضبة ودورها في تنمية اقتصادات الدول المصدرة.

وقال انه تبعا للزيادة في الإيرادات النفطية، أضحت الموازنة العامة في البلدان العربية المصدرة للنفط تحقق فائضا يتيح للحكومات العربية ان تخفض الدين العام وان ترفع حجم الاستثمارات وتوسع وتنوع قاعدة الإنتاج لديها شريطة ان تتوفر لديها الإرادة الحقيقية والخطط اللازمة لذلك، متجاوزة بذلك نمط توظيف الإيرادات من الطفرة النفطية السابقة التي ذهب جزء كبير منها في مشاريع البنية الأساسية أو تدفقت إلى الخارج في صورة ودائع مصرفية.

وأضاف: حتى لا يبقى الاقتصاد العربي رهينة لحركة أسعار النفط وعرضه للأزمات والتذبذب المستمر، لابد من وضع إستراتيجية اقتصادية عملية قادرة على توظيف الإيرادات النفطية والمدخرات العامة في مشروعات تحقق التنمية الاقتصادية و تطور قدرة الاقتصاد على النمو الذاتي بشكل متواصل بغض النظر عن حركة أسعار النفط وتمويل الاستثمارات التي تضيف طاقات جديدة لجهاز الإنتاج.

وذكر العطية ان قطاع الطاقة في معظمة يخضع لحكومات الدول العربية مما يقلل من مساهمة القطاع العربي الخاص في مشاريع هذا القطاع الحيوي، وإيمانا بأهمية الدور الذي يجب ان يلعبه القطاع الخاص في عملية التنمية الاقتصادية وتوسيع دوره في النشاط الاقتصادي وزيادة الشراكة بين القطاع العام والخاص في شتى المجالات وخاصة في مشروعات الطاقة، قامت دولة قطر باتخاذ إجراءات عملية تهدف إلى تعزيز دور الشركات الوطنية وذلك من خلال تطوير البنية التحتية لخدمة المشاريع الخاصة الصناعية ووضع التشريعات والحوافز لتشجيع الاستثمار الخاص، كما بادرت دولة قطر إلى تطبيق برنامج الخصخصة الذي استهل بخصخصة الصناعات البتروكيماوية وتوليد الطاقة الكهربائية بشكل ناجح.

الا ان عبء النهوض بدور القطاع الخاص العربي لا يقع على عاتق الحكومات فقط، ولكن هناك واجبات على القطاع الخاص العربي القيام بها من اجل تكامل جهود الحكومات في هذا المجال، من أهمها تحسين جودة الإنتاج وتطوير المهارات الفنية والتسويقية واستخدام وسائل التقنية والإدارة الحديثة. وتجدر الإشارة إلى ان بعض شركات القطاع الخاص استطاعت من خلال الاندماج فيما بينها أو تشكيل تحالفات مع الشركات العالمية منافسة الشركات الكبرى العاملة في قطاع الطاقة.

وشدد العطية على ان الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي يرتكز على دولة القانون والمؤسسات وكذلك الانفتاح على اقتصاد السوق يعد من ابرز العوامل التي تسهم في استقطاب الاستثمارات الخارجية إضافة إلى السياسة الضريبية وتوفير مدخلات الإنتاج بمستويات مناسبة واستحداث القوانين الاقتصادية والتجارية المشجعة.

وقال انه في ظل توافر هذه الشروط قامت دولة قطر بتطوير الصناعة الهيدروكربونية وبناء مشاريع الطاقة والدخول في مشاريع مشتركة مع عدد من كبريات الشركات العالمية في مجال النفط والغاز والتي تمتلك الخبرة الفنية والتكنولوجيا المتطورة.

كما هيأ تسارع النمو الاقتصادي العالمي وما ترتب عليه من زيادة في الطلب على مصادر الطاقة المختلفة المناخ الملائم للمضي قدما في توسيع وتنويع مشاريع الطاقة فغدت سلة المنتجات الهيدروكربونية القطرية غنية وتصدر منتجاتها إلى شتى دول العالم مما أتاح لدولة قطر القيام بدور أساسي في تلبية احتياجات المستهلكين للطاقة في مختلف أرجاء العالم.

وأشار العطية إلى الدور المهم للطاقة في عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية، الا ان أولويات الطاقة تختلف من دولة إلى أخرى حيث تركز الدول المتقدمة في أولوياتها على قضايا تتعلق بأمن الإمدادات وتخفيف الآثار السلبية الناجمة عن استخدام الطاقة وبخاصة تغير المناخ وتطوير استخدام مصادر الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة استخدام الوقود الكربوني، اما البلدان النامية فتهتم بشكل اكبر بتوسيع نطاق خدمات الطاقة وتوفير قدر كاف من الطاقة للوفاء باحتياجات التنمية.

وأكد في ختام كلمته على ضرورة إيجاد توافق بين الأولويات المتباينة لدول العالم بشان الطاقة، الأمر الذي يشكل تحديا كبيرا ويتطلب تكاتف الجهود حتى نتمكن من الوصول إلى صيغة متوازنة تلبي احتياجات وطموحات الجميع ضمن إطار المصلحة المشتركة للمجتمعات في كافة الدول.

وكان المهندس صلاح سالم بن عمير الشامسي رئيس اتحاد غرف التجارة والصناعة بالإمارات ودول مجلس التعاون ورئيس غرفة أبوظبي قد استهل كلمته قائلا: انه عند الحديث عن اقتصاد أبوظبي وتحت شعار فرص المشاركة لابد ان نتوقف بإجلال أمام مؤسس أبوظبي ودولة الإمارات المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ونقف بكثير من التقدير أمام راعي نهضة البلاد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حاكم إمارة أبوظبي الذي تسلم راية النهضة والنمو واستطاع ان يصل بها إلى مستويات يشهد العالم كله اليوم بأنها قطعت مراحل متقدمة وخطوات ثابتة لتتبوأ مكانة متقدمة بين اقتصادات المنطقة والاقتصاد العالمي.

وأضاف ان الحديث عن النمو وفرص المشاركة في إمارة أبوظبي لا يتوقف عند حدود معينة مهما كانت الخطوات والانجازات التي تحققت خلال العامين الماضيين فهذه الانجازات التي تمثلت في إعادة هيكلة القطاع الحكومي وتعزيز وتفعيل دور القطاع الخاص في عملية التنمية الشاملة في إمارة أبوظبي تؤسس لمرحلة جديدة تقوم على الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص لحشد جميع الطاقات والإمكانات في عملية التنمية التي تشهدها البلاد ودخلت في مرحلة السباق مع الزمن، تستند في ذلك إلى إرادة سياسية تعتمد مبدأ المشاركة السياسية والتي تمثلت في الانتخابات الجزئية التي شهدتها البلاد لاختيار نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي تحقيقا لرؤية صاحب السمو رئيس الدولة في إرساء وتطوير الحياة الديمقراطية في البلاد.

كما تستند انطلاقة أبوظبي إلى رؤية طموحة تجسدت في العديد من القرارات والخطوات العملية لإطلاق جميع الطاقات الكامنة في مجتمعنا من خلال إعادة هيكلة القطاع الحكومي وتحفيز عمليات الاستثمار في جميع القطاعات من خلال العديد من الشركات العملاقة التي تم إنشاؤها، وبدأت خطوات مهمة حتى الآن في إطلاق الكثير من المشاريع وفي مختلف القطاعات والتي تقدر قيمتها الإجمالية بأكثر من 930 مليار درهم.

وأشار إلى ان إمارة أبوظبي شهدت ولادة مشاريع عملاقة من جميع القطاعات واستقطب قطاع البناء والتشييد حوالي 500 مليار درهم، وقطاع السياحة 200 مليار درهم والصناعة 120 مليار درهم، والنفط والغاز 80 مليار درهم، والماء والكهرباء 35 مليار درهم.

وشهد اقتصاد إمارة أبوظبي تطوراً كبيراً خلال عام 2006 بفضل السياسة الحكيمة لصاحب السمو رئيس الدولة وولي عهده الأمين في ظل وجود سياسة ونهج اقتصادي قوي يعتمد على الشراكة مع القطاع الخاص لتحقيق التنمية المستدامة.

وقال الشامسي ان النهج الاقتصادي في إمارة أبوظبي يرتكز إلى عدد من الأسس والركائز في مقدمتها الشراكة مع القطاع الخاص والخصخصة وتطوير المناطق الاقتصادية وإنشاء مدن ومراكز جديدة وتطوير السياحة وتطوير القوانين وتسهيل الإجراءات وتطوير البنية التحتية وتبني سياسة التوطين وتطوير قطاع التعليم والصحة وإنشاء المناطق الصناعية وتطوير صناعات تلبي الاحتياجات العالمية.

مشيرا إلى ان جميع هذه العوامل ساهمت وستساهم في المرحلة المقبلة في جعل إمارة أبوظبي أحد أهم الوجهات الجاذبة للاستثمار ووجهة مفضلة لرجال الأعمال والسياح والباحثين عن فرص الاستثمار.

وأكد الشامسي ان قوة ومتانة الأداء الاقتصادي في إمارة أبوظبي والذي يتمتع بمناخ الأمن والاستقرار في ربوع الإمارات ساهم في جلب استثمارات أجنبية في العام الماضي تقدر بنحو سبعة مليارات دولار، ونتوقع ان تتضاعف هذه القيمة في السنوات المقبلة إلى مستوى لا يقل عن 35 مليار دولار.

وذكر ان هذه الرؤية لنمو الاستثمارات الأجنبية في البلاد لا تنبع من فراغ وإنما تستند إلى معطيات فعلية قائمة على الأرض.

وأشار ان النمو الاقتصادي في إمارة أبوظبي سيرتفع بمعدل 8.2% في العام الحالي و13% خلال السنوات المقبلة استنادا إلى الارتفاع الكبير في الناتج المحلي الإجمالي في العام الماضي والذي بلغ 367 مليار درهم، والذي يتوقع ان يبلغ 584 مليار درهم عام 2010.

وإذا كان اقتصاد أبوظبي قد استفاد من ارتفاع أسعار النفط خلال العامين الماضيين ووصول متوسط سعر البرميل إلى 64.5 دولاراً للبرميل، فان هذه المعدلات مرشحة للاستمرار في السنوات المقبلة استنادا إلى آراء الخبراء الذين يتوقعون ان تكون أسعار النفط بين 65 و75 دولاراً للبرميل في الفترة بين 2007 و2010.

وذكر الشامسي ان اقتصاد أبوظبي الذي استفاد بدون شك من ارتفاع أسعار النفط في الفترة الأخيرة سخر هذه الإمكانات في دفع عجلة النمو القوية في القطاعات غير النفطية التي حققت نموا بمعدل لا يقل عن 18% سنويا لتبلغ قيمة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي عام 2006 نحو 138 مليار درهم، ويتوقع ان تبلغ 163 مليار درهم في عام 2007.

وأشار إلى ان تطبيق سياسات وبرامج الإصلاح الاقتصادي والهيكلي وزيادة فاعلية دور القطاع الخاص في تحقيق التنمية المستدامة ساهم في خلق بيئة استثمارية ومنافسة محليا وإقليميا، الأمر الذي سيساهم في ترسيخ مكانة أبوظبي على الخارطة الاقتصادية العالمية.

وقال الشامسي: اننا نتطلع إلى ان يكون هذا المؤتمر ومن خلال مشاركتكم الفاعلة والتي نعتز بها ونقدرها، ومن خلال دوركم في مختلف مواقع اتخاذ القرار أو من خلال مؤسساتكم وشركاتكم المهمة والناجحة انطلاقة جديدة نحو تعزيز القوة الاقتصادية لإمارة أبوظبي، ورسم ملامح المرحلة المقبلة التي ستجعل من إمارة أبوظبي أكثر نمو وازدهاراً تحت قيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حاكم إمارة أبوظبي وبتوجيهات ومتابعة من الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.

أبوظبي ــ أحمد محسن