في القرنين السابع والثامن عشر كان الملح يوضع على مائدة الطعام كمظهر من مظاهر الزينة والترف والغنى والمباهاة كما يوضع لحم الغزال في عصرنا الحديث على موائد البذخ ولفت الأنظار.
خاصة بعد إن اكتشف طبيبٌ بريطاني عام 1753 أن الملح يمنع مرض الاسقربوط الذي كان شائعاً آنذاك؛ وأقدم من ذلك كان الفراعنة المصريون يستخدمون الملح لحفظ المومياوات لوقايتها من التحلل؛ منطلقين من فكرة الخلود وبعث الحياة ثانية؛ ويُعتقد أن الملح يحمي من العين الشريرة، لذلك كانت الشعوب القديمة لا تستغني عن هذا المعدن في مكوناتها الشعبية والأسطورية، حتى أن القائمين على المسرح الياباني القديم يرشّون الملح على خشبة المسرح قبل العرض ليحمي الممثلين من الأرواح الشريرة.
والكثير من الشعوب كانت ولا تزال تنظر إلى الملح كونه عنصراً وقائياً من الأمراض والشرور والحسد فكان يوضع على مهود الأطفال ويُعَلّق على مدارج البيوت ولا تزال هذه العادة جارية حتى وقتنا الحاضر. وكانت الكنيسة الكاثوليكية تسميه ملح الحكمة. واعتقدت القبائل الجرمانية أن الآلهة تصغى أكثر لصلواتها إذا أقيمت في مناجم الملح، كما كان المسلمون واليهود يمهرون العهود والمواثيق بالملح بوصفه عنصراً مستقراً.
ما لا يعرفه الكثيرون أن القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر كانت ميداناً مفتوحاً لصراعات سياسية وحربية دموية لا نظير لها بسبب مناجم الملح، ويقال أن الصيني (هوانغدي) هو أول مَن خاض حرباً بسبب الملح! وأن جورج واشنطن خاض معركة الاستقلال في القرن السابع عشر عن بريطانيا للحصول على حق إنتاج الملح، كما شهدت تلك المناجم صراعات عنيفة استمرت عقوداً طويلة بين أساقفة سالزبورغ والبافاريين.
وإن حروباً أهلية نشبت في جورجيا وفرجينيا وفلوريدا وخليج نامبا ؛ وفي مطلع القرن العشرين عندما شرع هرتزل بتأسيس الدولة اليهودية في فلسطين كان يرى أن وجود البحر الميت الغني بالثروات المعدنية لاسيما ملح البروميد والبوتاس يمكن أن يكوّن دولة جديدة.
وحريٌّ هنا أن نتذكر (مسيرات الملح) التي قام بها غاندي في الهند عام 1930 وتركزت على خرق القوانين البريطانية باحتكار الملح، فسار إلى البحر ومعه 78 من أتباعه مسافة 520 كم لكن أتباعه كانوا يزدادون كلما مر بولاية حتى بلغوا آلافاً كثيرة أقضّت التاج البريطاني الذي كان يعوّل على فشل هذه المسيرات الضخمة أو موت زعيمها النحيل، لكن الهنود من البسطاء والمثقفين وحتى زوجات الأثرياء وعامة الشعب التفوا على قائدهم المسالم وساروا معه على أقدامهم كل تلك المسافة الطويلة حتى وصلوا البحر وكسروا القانون البريطاني عندما حملت يد غاندي أول قبضة من الملح من شاطئ البحر!
في القرون الثلاثة الماضية كانت حروب الملح تشكل (ضغطاً) عالياً في العالم المتنازع على مناجم الملح، لكننا لا نعرف الآن إلى أي (ضغط) سيصل العالم في حروب النفط!!
waridbader@yahoo.com