توقع خبراء اقتصاديون في الحكومة الأميركية أن يتجاوز سعر برميل البترول 60 دولاراً، ثم يظل عند هذا المستوى لسنوات، وفي الوقت الذي ظن كثيرون أن أسعار البترول أصبحت تحت السيطرة، ارتفع السعر مرة أخرى وتجاوز 57 دولاراً في أول الشهر الجاري. وأشارت دراسة أجراها اقتصاديون في الحكومة الأميركية إلى أن سوق الصفقات الآجلة في البترول هي التي تحدد اتجاه أسعار البترول، وهذا المؤشر هو الذي يؤكد الاتجاه نحو الارتفاع.
وقالت مجلة «بيزنس ويك» التي تلقت نسخة من الدراسة إن الباحثين ركزوا على اتجاه أسعار البترول على المدى الطويل، في الوقت الذي تنقسم فيه آراء خبراء الجيولوجيا والاقتصاد ومديري شركات البترول وغيرهم. وتوقع خبراء أن تصل الأسعار قريباً إلى 200 دولار للبرميل، لأن الإنتاج العالمي لا يكفي الاستهلاك،
وبدأ يتراجع أيضاً، فيما قال آخرون إن السعر سوف يهبط إلى 20 دولاراً للبرميل أو أقل، بسبب زيادة الإنتاج. والواقع أنه ليس من أحد متأكد من ذلك، والصفقات الآجلة تتميز بالتأرجح بشكل كبير. والواقع أيضاً أن سوق السلع تمثل الحكم الجماعي لكثير من الأذكياء الذين يغامرون بأموالهم.
وتسببت ارتفاعات وانخفاضات أسعار البترول في خسائر ومكاسب كبيرة للشركات الأميركية خلال 2006. وأعلنت إكسون موبيل مثلاً في أول فبراير أن عائداتها بلغت 5, 39 مليار دولار العام الماضي، وهي أعلى عائدات بين الشركات الأميركية على الإطلاق. وأعلنت رويال داتش شل عن أرباح بلغت 6, 25 مليار دولار. ومن جانب آخر تؤثر أسعار البترول في شعبية السيارات الرباعية الرياضية، مما جعل شركات أخرى مثل فورد موتورز تخسر نحو 7, 12 مليار دولار في 2006.
وتركز الدراسة على بورصة نيويورك للسلع من حيث صفقات البترول الآجلة، وهي صفقات لبيع البترول في موعد لاحق بسعر معين ويستغل كثير من التجار أسعار بورصة نيويورك للسلع كمؤشر على التوقعات بشأن اتجاه أسعار البترول. وظلت الصفقات في هذه البورصة لسنوات على مدى قصير أو متوسط. ولم يكن هناك كثير من الصفقات يكون التسليم فيها بعد أكثر من ثلاث سنوات، وتستطيع صفقة واحدة كبيرة أن ترفع السعر أو تخفضه بشكل كبير لأن السوق في مستوى حرج جداً.
لكن السوق نضجت في 2000، وارتفع عدد الصفقات طويلة الأجل (تسليم بعد فترة طويلة) وأصبح المتعاملون ينظرون إلى أسعار هذه الصفقات على أنها مؤشر على اتجاه أسعار البترول، كما تقول الدراسة. إذاً ماذا تقول سوق الصفقات الآجلة؟ لقد استقرت أسعار بورصة نيويورك للسلع في أول فبراير عند 57 دولاراً للبرميل (تسليم 7 مارس) و63 دولاراً للبرميل (تسليم 8 مارس) و62 دولاراً للبرميل (تسليم الشهور التالية حتى 2012). وحتى الآن فإن الصفقات قليلة، لكن هناك صفقات آجلة حتى ديسمبر 2012.
وليست بورصة نيويورك للسلع هي المكان الوحيد الذي تبرم فيه صفقات آجلة للبترول، وتبدو بورصة نيويورك كبيرة في هذا النشاط لأن بقية السوق العالمية ليست بورصة بل سوقا تديرها أكبر بنوك العالم. وفي هذه السوق تبرم الصفقات على أساس موافقة المشتري على أي سعر يكون عليه البترول عند تاريخ التسليم.
وتقول الدراسة الأميركية إن أكبر المراكز لأصحاب الصفقات الآجلة على المدى الطويل هي التي حققها تجار مقايضة البترول، الذين يستخدمون العقود الآجلة لتغطية المخاطر التي تهدد صفقاتهم، وزادت مراكزهم بنسبة 481% من 2000 حتى 2006 على أساس متوسط 14600 عقد وزادت مراكز الصناديق التحوطية بنفس الطريقة بنسبة 999% خلال نفس الفترة على أساس 11200 صفقة، وكل عقد يشمل ألف برميل بترول
وهكذا فإن 14600 عقد تشمل ما قيمته أكثر من 800 مليون دولار من البترول، وتمثل الصناديق التحوطية وتجار المقايضة أكثر من 40% من المراكز الصاعدة في العام الماضي في صفقات آجلة طويلة المدى. وبما أن هناك علاقة بين السوق الآجلة والمقايضة فلا غرو أن الأسعار في سوق المقايضة تعكس نفس الأسعار المتوقعة، وقد توقعت أسواق بلومبرج المالية أن يصل سعر بترول تكساس المتوسط إلى 61 أو 62 دولاراً للبرميل في سوق المقايضة من 2008 حتى 2011.
وما يشجع خبراء خلاف المجموعة الاقتصادية التي أجرت الدراسة هو نضوج سوق البترول الآجلة طويلة المدى برغم بعض التحفظ. وقال فيليب فيرلجر الخبير في الطاقة في شركة فيرلجر بولاية أسبن انه لا يزال يشك قليلاً في استخدام صفقات بورصة نيويورك الآجلة كمؤشر وتوقع أن ترتفع أسعار البترول بنسبة 3% سنوياً.
والواقع انه من الصعب فعلاً اتخاذ الصفقات الآجلة والمقايضة كمؤشر لاتجاه أسعار البترول لأن اتجاه الصفقات الآجلة مثل الأسعار الآنية العام الماضي، مما يشير إلى غموض لكن هذه الصفقات هي أفضل مؤشر يمكن الركون إليه حتى الآن ولذلك فإن نضوج هذه السوق هو نبأ طيب بغض النظر عن اتجاه الأسعار.