تنشر الصحف الفرنسية والمغربية كل يوم مقالات وتصريحات لرجال الثقافة والفن والسياسة حول هوية فيلم «السكان الأصليون» الذي نال من خلاله المخرج الجزائري رشيد بوشارب الجائزة الخاصة في مهرجان «كان» السينمائي الصيف الماضي.

وبدأ «نزاع الهوية» هذا بعد ترشيح الفيلم لأوسكار الفيلم الأجنبي في مهرجان الأكاديمية الأميركية للفنون السينمائية في لوس أنجلوس المقرر في شهر فبراير الجاري. ودافع المخرج بو شارب في حلقة خاصة بثتها القناة التلفزيونية الفرنسية ذائعة الصيت «قنال +» أول من أمس عن الهوية الجزائرية للفيلم، على اعتبار أنه صاحب الفكرة والمخرج، وقال: «إن معظم المهرجانات تنسب آلياً الأعمال السينمائية لجنسية المخرج، وأنه في حالة (السكان الأصليون)، فإن الأمر لابد أن يكون اختيارياً على اعتبار أنني أحمل الجنسيتين الفرنسية والجزائرية».

وقال بوشارب: «اخترت أن أسجل الفيلم وأشارك به تحت العلم الجزائري، وهذا حق أمارسه علناً ولم أخفه يوماً. وأكد المخرج بأن الفيلم السينمائي يتجاوز حدود (الجنسية) وهويته الوحيدة هي ترقية الذوق وخدمة الفن وقضايا الإنسان، لكن في المهرجانات تطرح بعض الأمور التقنية التي تدفعنا إلى حسم بعض الاختيارات التي أراها تقنية صرفة».

وأحرج المقدم ميكاييل دونيزو رشيد بوشارب بأسئلة تتعلق بتمويل الفيلم من جهات فرنسية بنسبة 90%. فأجاب بوشارب: «نعم أنا أنشط في فرنسا وأعمل للفن وترقية الفن بهذا البلد كما هو شأن جميع المخرجين الفرنسيين، وليس غريبا أن يمول الفيلم من جهات فرنسية، وأنا سأتابع العمل وسأجني للسينما الفرنسية ما استطعت من الفوائد، لكن كما قلت هذا الفيلم اخترت أن أسجله باسم الجزائر، ربما لأنه يتناول موضوعا على علاقة بمساهمة أبناء بلدي الأصلي في تحرير فرنسا، وهو في هذه الحالة بوتقة يلتقي فيها الجزائري والفرنسي على هدف واحد هو الحرية ومقاومة الاستبداد».

وأوضح بوشارب بأن أكاديمية الأوسكار الأميركية اعتمدت جملة من المقاييس جعلتها تقبل ترشيح الفيلم تحت الراية الجزائرية، وقد اطلعت على كل التفاصيل ورأت أن المخرج من الجزائر والموسيقى وضعها الشاب خالد وهو جزائري وهو أمر كاف فنياً ليسجل الفيلم جزائرياً. وأضاف بأن مجموعة المسائل التي تربط الفيلم بالجزائر كانت دعما قويا لاختياره لجائزة أوسكار أحسن فيلم أجنبي، حيث تعاطف معه الأميركيون كونه يعالج موضوع مساهمة سكان المستعمرات الفرنسية في المغرب العربي في الحرب ضد النازية، وهو أمر حساس بالنسبة للأميركيين.

وما كانوا ينظرون إليه من هذه الزاوية لو تقدم باسم فرنسا. وقبل حديث رشيد بوشارب بساعات، كانت الصحف الفرنسية قد نشرت أكثر من عشرين مقالاً وتصريحاً تساءلت كلها عن هوية الفيلم أهو فرنسي لأن الأموال التي أنتجته ومعظم المؤسسات المشاركة فيه فرنسية بما فيها «قنال+» أم جزائري لأن المخرج يحمل جنسية مزدوجة. وفي المغرب، نشرت الصحف الصادرة بالعربية منها والفرنسية مقالات عارضت تمثيل الفيلم تحت العلم الجزائري على اعتبار أن مغاربة شاركوا في التمويل بنسبة قاربت 10%، وأن الملك محمد السادس شخصياً شجع هذا العمل الفني وتابعه منذ البداية حتى النهاية لأهميته وسخر له أكثر من 500 عنصر من الجيش الملكي شاركوا في التمثيل.

وكان الفنان الكوميدي الفرنسي من أصل مغربي كمال دبوس، قد سعى لتمثيل المغرب بالفيلم في الأوسكار على اعتبار أنه قدم إمكانيات أكبر من تلك التي قدمتها الجزائر، وعبر عن استيائه من تصرف رشيد بوشارب بالغياب عن الحلقة التلفزيونية التي كان مقررا أن تستضيفهما معا. وقال: «لما علمت أن رشيد سيفصل في الموضوع، ويواجه الجميع بقراره، وجدت أن الجلوس على مائدة واحدة غير مجد وغير لائق».

يذكر أن فيلم «السكان الأصليون» أو «أندغان» بالفرنسية تناول مشاركة جنود من المغرب العربي في الحرب العالمية الثانية لتحرير فرنسا التي كانت تحتل المنطقة، وبعد الحرب استقلت فرنسا، وعاد هؤلاء إلى وضعهم البائس تحت الاحتلال. وقد ساهمت في إنتاج الفيلم مؤسسات من فرنسا والمغرب والجزائر وبلجيكا. وسبق للجزائر أن أحرزت أوسكار أحسن فيلم أجنبي عام 1969 بفيلم «غ» للمخرج الفرنسي من أصل يوناني كوستا غافراس.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي