في ظل تحرير تجارة الخدمات تعاظم دور التجارة الإلكترونية لتمثل تجارة المستقبل مع التنامي الكبير لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، إلا أن المعوق الأكبر لهذه التجارة المستقبلية هو الجريمة الإلكترونية، وتطور هذه الجريمة السريع بتطور التكنولوجيا أصبح مهدداً كبيراً لهذا النوع الواعد من التجارة،
إلا أن هناك حلولاً وقوانين وتشريعات لمواجهتها، ولكن الدول العربية لم تنفذ معظم هذه القوانين خاصة وأن التجارة الإلكترونية لا تزال وليدة في بعض الدول، وقد وصف خبراء الجريمة الإلكترونية بأنها العدو المجهول الذي يجب التسلح لمقاومته بوسائل عديدة ، وأهمها أدوات التجارة الإلكترونية مثل بطاقات الائتمان والتوقيع الإلكتروني.
ويؤكد د. محمد رضوان هلال خبير أبحاث التزييف والتزوير أن التجارة الإلكترونية وليدة في بعض الدول، وهي تحتاج إلى تسليح كبير، خاصة وانها تحتوي على حرب ضد مجهول، هذا المجهول ما هو إلا عدو دولي قد يشن الحرب فجأة وبأدوات وأجهزة قد تكون حديثة،
وهذا يؤكد أن هذا النوع من التجارة محفوف بالكثير من المخاطر، وإذا ما أمكن التعرف على الأسباب التي تؤدي الى جرائم التجارة الإلكترونية أمكن تحقيق الربح والرواج وزيادة موازنات الدول، ونظرًا لأن جرائم التجارة الإلكترونية متعددة وتشمل نواحي كثيرة لأنها تجارة بعدية أي يتم التعامل فيها عن بعد وعلى نطاق دولي دون أن يرى البائع المشتري والمشتري البائع، فإنها حاجة الى سبل جديدة للتعقب كضمانة تقليل الخسائر الناجمة عن الجريمة الإلكترونية.
ويضيف: إن المحكمة الرقمية هي احدى وسائل مكافحة الجريمة الإلكترونية، حيث من المنتظر أن تتولى الفصل في الجرائم الرقمية في ظل التنامي الكبير لحجم هذه الجرائم وتواجدها بصورة عملية، وأيضا قصور التحقيق والتكييف القانوني والقصور التشريعي، فعمليات التحقيق في الجرائم الرقمية دون أسس تؤدي الى صدور أحكام خاطئة سواء بالبراءة أو الإدانة،
إذ ان هذه الجرائم هي نتاج فكر دولي لأن الجريمة الرقمية هي جريمة عابرة للقارات وليس لها حدود وذات نطاق ممتد ومتسع، وتجد أن التجارة الإلكترونية في أمس الحاجة الآن الى إنشاء المحاكم الرقمية ، وذلك حتى ينجز الاستثمار الدولي ويسهل التبادل في السلع والمنتجات، ورواج المجتمعات وعدم حدوث أي عجز في موازناتها، والمحكمة الرقمية تتطلب إعداداً مكانياً وبشرياً أيضاً،
حيث تتطلب وجود المحقق الرقمي والقاضي الرقمي والمحضر الرقمي، فالتشريع الرقمي يجب أن يتواكب مع تطور الجريمة الإلكترونية والتجارة الإلكترونية أيضاً، وهذا التشريع مهم جدًا في هذه الفترة، ومن المهم أن يتجه المجتمع الدولي الآن الى إنشاء المحكمة الرقمية ولو في عاصمة كل دولة تتولى الفصل في القضايا التي تحدث في هذه الدولة جرائم مختلفة ويرى المستشار علي أحمد فرجاني نائب رئيس محكمة النقض بالقاهرة أن هناك العديد من الجرائم المرتبطة بالتجارة الإلكترونية ومنها جرائم تزييف النقود والمستندات،
وأيضا جرائم إتلاف البرمجيات وتدميرها وسرقة المعلومات، هذا الى جانب جرائم الاعتداء على الملكية المعلوماتية وجرائم القرصنة وخيانة الأمانة والتزوير، وعمليات التجسس باستخدام الكمبيوتر وتقنيات الاتصال عن بعد. ويضيف: إن أكبر المشكلات تعقيدًا في مسألة الجريمة الإلكترونية هي مشكلة امتناع المجني عليهم عن التبليغ عن الجرائم المرتكبة ضدهم، ففي إحدى الوقائع على سبيل المثال تعرض أحد البنوك البريطانية لسرقة 8 ملايين جنيه إسترليني من أحد أرصدته الى رقم في سويسرا،
وتم ضبط الفاعل متلبسا بسحب المبلغ المسروق، وبدلاً من محاكمته قام البنك بدفع مليون جنيه له بشرط التزام الفاعل بعدم الإعلام عن جريمته وإعلام البنك عن الآلية التي نجح من خلالها لاختراق نظام الأمن بحاسوب البنك الرئيسي، وهذا يؤكد أن الجرائم الإلكترونية تلحق العديد من الأضرار والخسائر باقتصاديات الدول، خاصة وأنه بات واضحا انتشار الجريمة الإلكترونية في كل أرجاء العالم،
وعلى الرغم من قوة أجهزة الحاسب الآلي كتقنية حديثة لا غنى عنها في عصر المعلومات السريع الذي نعيشه الآن، إلا أنه لا يزال جهازا غير قادر على حماية نفسه فنياً من محاولات اختراقه والتلاعب بأنظمة من خلال نسخ وتقليد برامجه وتوابعها بطريقة غير مشروعة، الجريمة الإلكترونية مرتبطة بكل نشاط إجرامي يؤدي فيه نظام الحاسب الآلي دورًا لإتمامه على أن يكون هذا الدور على قدر من الأهمية، وتدعو الكثير من الدول الى مكافحة الجرائم المعلوماتية خاصة تلك المتعلقة ببراءات الاختراع والملكية الفكرية،
وتسعى الكثير من التشريعات الى حماية براءات الاختراع والملكية الفكرية لديها، ونجد أن الملكية الأدبية والفنية تحظى ببعض الاهتمام عن مسألة الملكية الصناعية، أما القرصنة فهم يمارسون الإجرام المعلوماتي وتقليد البرامج عبر أجهزة الحاسب الآلي المملوكة للغير،
وأهم المشكلات الفنية والقانونية التي تواجه جريمة القرصنة هي صعوبة الحصول على إذن بتفتيش الكمبيوتر لضبط جريمة قرصنة أو تقليد برامج بعد التأكد من جدية التحري ووجود جريمة بالفعل، ومن هنا يجب التصدي بحزم لظاهرة القرصنة وتشديد العقاب على مرتكبيها لإضرارها الواضح بصناعة البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات، وهو ما يؤثر بالسلب على اقتصاد الدول ككل،
وأيضا من المهم إيجاد صيغة ملائمة للتعاون الدولي لمكافحة الجريمة عبر الإنترنت مع تبادل الخبرات والمعلومات حول هذا النوع من الإجرام ومرتكبيه وسبل مكافحته عن طريق المعاهدات والاتفاقات الدولية الثنائية والمتعددة الأطراف والتي تصادق عليها الدول وتقوم بتنفيذها كقوانين وتشريعات وطنية. إجراءات وقائية ويؤكد المستشار عبد الفتاح حجازي نائب رئيس مجلس الدولة أن المخاطر التي تؤثر على التجارة الإلكترونية كثيرة،
وعلى قدر حماية هذه التجارة من المخاطر التي تهددها تكون الثقة في هذه التجارة، وهو ما يساعد على نموها وتطورها، وحماية هذه التجارة لا تكون فقط حماية جنائية تجرم الأفعال التي تعد اعتداء على أموال هذه التجارة ونظامها وبياناتها وعقاب مرتكبي هذه الأفعال، بل أيضا تكون حماية مدنية باتخاذ إجراءات وقائية لا علاقة لها بالتجريم والعقاب،
حيث تكون بيانات هذه التجارة ومعلوماتها في مأمن من العبث بها عند تناولها إلا لمن له الحق في ذلك، وعلى الجانب الآخر نجد أنه يجب توافر تقنيات ووسائل فنية لحماية مواقع التجارة الإلكترونية من العبث في محتوياتها من بيانات ومعلومات ذات قيمة لمالكها، وكذلك فإن المستهلك الذي يعد عماد هذه التجارة لابد من حمايته بمجموعة من الدعاوى القضائية عندما يتم التعرض للاعتداء على حقوقه، بحيث يمكنه دفع هذه الاعتداءات وجبر الضرر الواقع منها.
القاهرة - شيماء عاطف