رغم أن الصين سجلت نمواً اقتصادياً في العام الماضي بلغ 10.7% وهو أكبر من المتوقع وأسرع نمو في تاريخها منذ 1995, فإن الطفرة الاقتصادية كانت نقمة على أطفال الصين.
وتقدر السلطات الصينية ان هناك 22 مليون طفل تركهم أهاليهم في القرى والمناطق الريفية بعد أن هاجروا إلى المدن للحصول على عمل. ويرتفع عدد هؤلاء الأطفال المهجورين بمعدل سريع في المناطق الريفية الصينية، ويبدو أنهم يدفعون ثمن النمو الاقتصادي السريع الذي يجذب المزارعين للعمل في المدن للاستفادة من هذا النمو.
ومع طفرة الاقتصاد الصيني ــ يترك نحو 200 مليون مزارع قرارهم ليهاجروا إلي المدن بحثاً عن فرص أفضل للازدهار. وتحرم القوانين الصينية على المهاجرين من الريف أن يدخلوا أطفالهم في مدارس المدن أو التمتع بالرعاية في الأماكن التي يجدون فيها فرص عمل. وبناء على ذلك يضطر الملايين إلى ترك أطفالهم مهجورين في قراهم على أمل إرسال مزيد من المال إليهم.
وترك تشاو تشانج ليانج ابنته تشاو يان وأرضه الزراعية منذ عامين. وقد توفيت زوجته عندما كانت ابنته تبلغ من العمر عامين. وعندما بلغت الخامسة عشرة جمع تشاو تشانج 200 يوان »25 دولارا« ليدفع تكاليف الرحلة إلى مدينة شانغهاي لينضم إلى 8 ملايين مهاجر آخر من الريف ــ تركوا مقاطعة أنهوي للعمل في المدن الصينية.
وبعض الأطفال المهجورين يعيشون على الأمة لكن 30% منهم يعيشون أما مع الأجداد أو أقارب أو وحدهم تماماً، حسب دراسة أجراها معهد الصين الوطني لأبحاث التربية عام 2004.
والمشكلة هي تفرق شمل العائلة وإيجاد جيل من الأطفال يكبرون بعيداً عن كنف آبائهم تحت إشراف غير كاف أو منعدم. ويقول مدرسون في مقاطعات مثل أنهوي إنهم كثيرا ما يجدون تلاميذ يعيشون بمفردهم تماماً.
وأقامت مجموعة عائلات مجمعاً في أنهوي يقوم فيه رجل عجوز وزوجته برعاية خمسة من الأطفال تحت سن السادس، وهناك عدة مجموعات من هؤلاء الأطفال في المجمع. وكل هؤلاء الأطفال تركهم آباؤهم للعمل في شانغهاي وقول تشاو تشانج الذي ترك ابنته للعمل في شانغهاي ان غالبية الأطفال صغار جداً لدرجة انهم لا يفرقون بين آبائهم والذين يقومون على رعايتهم حاليا، لكن الكبار نسبياً يبكون عندما يتركهم آباؤهم لكنه يقول لم يكن أمامه خيار آخر، فهذا هو الحال هذه الأيام.
ويقول ووبجين التلميذ في المقاطعة نفسها (14 سنة) ان أباه تركه ليبحث عن عمل عندما كان في الصف الأول في المدرسة. وبدأت صحة والده تتدهور بعد سنوات من العمل في مقاطعة أخرى. وذهبت أم الطفل لتعيش مع أبيه لترعاه في المقاطعة التي يعمل بها وتركوا ووبيجين وحدة مع جديه.
ويقول بيجين إنه لم يفهم ما يحدث في ذاك الوقت لكنه شعر بحزن شديد فقط. وقال ان والديه طلبا إليه طاعة جدية فقط. ويتصل والداه مرتين شهرياً فقط تليفونيا للاطمئنان عليه.
وتستيقظ تشاو يان ابنة تشاو تشانج مبكراً وتقطع رحلة لمدة 30 دقيقة بالدراجة إلى مدرستها. وعندما تعود تجد المنزل خاويا وتطهو طعامها بنفسها في فرن من الطوب اللين. وغالبا ما تأتي جارتها المسنة للاطمئنان عليها وأحيانا تزورها صديقاتها لكن الطلاب التي تطعمها وتلفزيون غير ملون هم صحبتها الوحيدة في معظم الأحيان.
وتقول إنه ليس أمامها شيء تفعله في غياب والدها. ورغم إنها تحلم بأن تكون معلمة فهي تجد صعوبة في متابعة دروسها لأنها تضطر للغياب بعض الأيام لرعاية مزرعة العائلة. ولا يحتمل أنه تكمل دراستها الثانوية لأن تكلفتها ستكون مرتفعة جداً، أكثر مما يستطيع أبوها أن يجنيه من عمله في شانغهاي.
ويرسل تشاو تشانج نحو 100 دولار لابنته كل ثلاثة أشهر. وهي تستخدم هذا المال لشراء البقالة وغالبا الخضراوات، لأنها لا تأكل اللحم إلا عند زيارة والدها. وتقول تشاويان إنها في غياب والدها لا تتناول كل الوجبات يوميا لتدخر بعض المال حتى عودة والدها في العام الجديد ومواسم الحصاد.
وتتوقع الحكومة أن يرتفع عدد المهاجرين من الريف مع تزايد النمو في المدن، وبالتالي ارتفاع الأطفال المهجورين. وقال مكتب الدولة للإحصاءات في ابريل ان متوسط أجر المهاجرين من الريف البالغ عددهم 200 مليون شخص. يصل إلى 600 ـ 100 دولار شهرياً وغالية هؤلاء كانوا يعيشون تحت حد الكفاف قبل الهجرة إلى المدن.
ويقول نائب رئيس كلية التنمية البشرية بجامعة بكين ان ترك الأطفال وحيدين قد يؤدي إلى مشكلات سلوكية وانخفاض معدل الأداء الدراسي ويلقي باللوم في ذلك على نظام الهوكو الذي ينص على أن يخضع المهاجرين من الريف إلى المدن لنظام تعليمي وإسكاني مختلف. لا يعطي الفرصة لأن يجلبو أطفالهم معهم ورغم أن الحكومة تقول إنها تعمل على تغيير هذه اللوائح فقد أدت التغيرات إلى السماح للمهاجرين الذين يقومون بأعمال مكتبية فقط باصطحاب أطفالهم إلى المدن, وليس للمزارعين.
واقترحت السلطات إنشاء وكالات حكومية في اكتوبر الماضي لمساعدة عائلات المهاجرين من الريف غير أنه لم يتحقق شيء بعد حتى الآن. وقال تشاو تشانج انهم لا يزالون في حاجة للمال من عمله في شانغهاي لإصلاح منزلهم الريفي. ويعني ذلك أنه سوف يستمر في العمل بعيدا عن ابنته الوحيدة.