يعد إنشاء منطقة تجارة حرة أورمتوسطية بحلول عام 2010 هدفا عربيا أوروبيا كبيرا تسعى إليه 35 دولة متوسطية بهدف تنمية التجارة والاستثمار بين دول جنوب وشمال البحر المتوسط، لجذب الاستثمارات والتكنولوجيا والإدارة المتقدمة من دول شمال المتوسط أو الاتحاد الأوروبي الـ 25 إلى دول جنوب المتوسط، مع الدعم الصناعي والزراعي والخدمي مقابل تسهيل دخول السلع الأوروبية لأسواق جنوب المتوسط ومنها لإفريقيا والمنطقة العربية، في ظل تنافس أوروبي أميركي كبير على هذه الأسواق وهو ما ليس في المصالح المتبادلة .
ومن هذا المنطلق جاء اقتراح إنشاء آلية مجلس أعمال ليورمتوسطي، كآلية لدعم المنطقة المستهدفة إلى جانب اتحاد الغرف اليورومتوسطية .
وعلى غرار مجلس الأعمال المصري الأميركي، أو مجلس الأعمال العربي وغيرها من المجالس الاقتصادية التي تضم رجال الأعمال في العديد من التكتلات، اقترحت دول أوروبية وعربية تأسيس مجلس أعمال يورومتوسطية يضم الدول المتوسطية الأوروبية والعربية، لتفعيل التعاون الاقتصادي بين القطاع الخاص ورجال الأعمال، وكانت فرنسا هي أول دولة متوسطية طرحت الاقتراح بتأسيس المجلس ليضم 35 دولة متوسطية إلا أن الاقتراح آثار جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية، فالبعض يرى أن إنشاء المجلس خطوة هامة وضرورية ومطلوبة لتنشيط الاستثمارات والعلاقات الاقتصادية بين دول جنوب وشمال المتوسط في ظل تدني حجم الاستثمارات والعلاقات الاقتصادية بين دول جنوب وشمال المتوسط في ظل تدني حجم الاستثمارات بين هذه الدول، برغم العديد من الاتفاقيات والآليات والتي لم تحقق سوى بعض التقدم في التبادل التجاري بين دول شمال وجنوب المتوسط، في ظل حاجة دول جنوب المتوسط لمزيد من الاستثمارات في أراضيها لدعمها اقتصادياً وعدم الاكتفاء بالمنح والمساعدات الاقتصادية أو حتى القروض .
ويوجد مجلس أعمال عربي أميركي، بل ومجالس أخرى سواء بشكل ثنائي أو إقليمي، فهناك مجلس صيني- عربي ،إضافة لوجود المجلس العربي لرجال الأعمال، وتمتاز هذه الآلية تحديداً بالأهمية لأنها تضم رجال الأعمال وأصحاب المصالح بشكل مباشر بعيداً عن الاتفاقيات الحكومية ومعوقات البيروقراطية، التي تفرضها صفة الرسمية للتعامل الحكومي أو حتى وجود حسابات سياسية مختلفة، أما أصحاب الأعمال فالمحفز الوحيد هو خلق المصالح المشتركة في كل الأحوال، وهو ما يعود في النهاية على الدول الفقيرة في جنوب المتوسط والتي تستهدف جذب استثمارات لتنشيط اقتصادياتها وإنشاء منطقة تجارة حرة متوسطية .
ويشكك السفير جمال الدين البيومي أمين عام اتحاد المستثمرين العرب في جدوى إنشاء مجلس الأعمال اليورومتوسطة، مؤكداً أنه يخشي من أن يكون هناك نوع من الازدواجية في أعمال هذا المجلس والمجالس الأخرى القائمة على مستوى الاتحاد الأوروبي كتكتل اقتصادي أكبر، خاصة مع وجود اتفاقيات مشتركة بين العديد من الدول العربية والاتحاد الأوروبي.
كما أن هناك العديد من المجالس المشكلة والتي تمثل أيضاً كل الدول الأوروبية، فهناك مجلس أعمال مصري - فرنسي، ومصري- أسباني، ومغربي - أسباني وغيرها من المجالس الثنائية بين دول عربية وأوروبية، بل أن هناك مجلسا مصريا أوروبيا وكذلك في العديد من الدول المتوسطية واتحادات عديدة منها اتحاد المنظمات، وهذا إلى جانب الغرف المشتركة وكل هذه المجالس والغرف والاتحادات لها نفس الهدف وهو تنشيط وزيادة حركة التعاون والاستثمار المشتركة بين الدول، ولذلك لابد من طرح السؤال وهو ماذا سيقدم هذا المجلس، وهل سيكون له دور أو عمل مختلف عن المجالس القائمة بالفعل؟.
لابد أن يتشابه أو يتداخل مع أعمالها فالهدف هو تنشيط وتحريك المؤسسات والآليات القائمة بالفعل من أجل تنشيط الاستثمار وليس التركيز على التجارة فقط، وخاصة التجارة السلعية، ولابد من دعم الاستثمارات المختلفة وجذبها، وبالعكس إنشاء مثل هذا المجلس قد ينتج عنه سلبيات أكثر من الإيجابيات، فأي مجلس أو كيان كلما اتسع نطاقه قل تأثيره، لأن البيروقراطية ستكون أكبر لذلك فالموافقة على أي آلية سوف تأخذ كثير من الوقت والجدل، وذلك مع إختلاف المصالح، ومن هنا فإن تفعيل الآليات القائمة أفضل من آليات جديدة قد لا تفيد وتجعل الآليات القديمة معطلة، فالهدف ليس كثرة المجالس والاتحادات ولكن تفعيل واحدة منهم بشكل فعال يغني عن عشرة آليات أخرى لا تفعل .
بينما يرى محمود القيسي رئيس اتحاد المنظمات المصرية الأوروبية أنه لا يوجد أدنى شك في أن إنشاء مجلس أعمال يورومتوسطية بين دول شمال وجنوب المتوسط، ولا سيما إذا تم تشكيلة على النحو الذي يجعله متميزاً في أدائه عن المجالس الأخرى المشابهة له، حتى لا يكون هناك ازدواج في التحرك أو التداخل في الأهداف، ولابد من وجود أهداف واضحة لا تستطيع المجالس الأخرى تحقيقها.
وهذا يجعل لمجلس الأعمال اليورومتوسطية وضعا متميزا بحكم المصالح المشتركة بين دول المتوسط، ووجود العديد من الاتفاقيات التي تسهم في عمل المجلس ببعده الإقليمي، واتساعه ليضم دولا أوروبية وعربية، وسيكون الهدف الرئيسي هو تنشيط الاستثمارات المشتركة إضافة إلى الأبعاد الاجتماعية مثل «الهجرة وحركة العمالة من الجنوب إلى الشمال»، بحيث يتم تنظيم وتقنين هذه الأوضاع التي تسبب العديد من المشكلات كما حدث بين مصر وايطاليا مؤخراً.
ومن هنا فإن إنشاء مجلس الأعمال يورومتوسطية يضم رجال الأعمال وقيادات الصناعة والتجارة والخدمات بين 35 دولة متوسطية، يعتبر إضافة مهمة لإتحاد الغرف الأورومتوسطية القائم بالفعل منذ عشر سنوات مع وجود التنسيق بينهما، حيث إن الهدف واحد ويكون هو إنشاء منطقة حرة أورومتوسطية بحلول 2010 وتنمية التجارة المتبادلة والاستثمارات المشتركة، ولابد أن يركز المجلس المقترح على الاستراتيجيات دون الدخول في الآليات التنفيذية حيث إن هذا دور الغرف الإقليمية والمشتركة.
ويشير إلى أنه بالنسبة للأسواق الأوروبية فإن نصيب الشركاء المتوسطية في الأسواق الأوروبية تطور بشكل كبير منذ عام 1993، حيث كانت نسبة الواردات الأوروبية من الشركاء المتوسطية 7 .5 %، وصلت إلى 9 .5 % عام 2003 كما قدم الشركاء الأوروبيون73 % من حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة للمغرب و65 %لتونس وحوالي %30 لمصر لذلك، فإن إنشاء مجلس الأعمال اليورومتوسطي يعد أحدى الخطوات المطلوبة في المرحلة القادمة لإنشاء منطقة حرة متوسطية، خاصة أنه من المتوقع خلال عام 2007 أن تحدث طفرة في الاستثمارات الأوروبية خاصة الصناعية مع دخول شركات أوروبية كبري للاستثمار في مصر ودول المغرب بشكل خاص .
ويقول د . حمد عبد العظيم أستاذ الاقتصاد:إن إنشاء منطقة تجارة حرة أورومتوسطية بحلول 2010 هدف مهم، بل أن هناك محاولات لإنشاء منطقة حرة عربية أوروبية على غرار المساعي الأميركية لإنشاء منطقة شبيهة، وعمل منطقة يورومتوسطية ستكون إليه هامة للربط بين الإتحاد الأوروبي ودول عربية، لأن وجود دول عضو في اليورومتوسطي وفي نفس الوقت أعضاء في الاتحاد الأوروبي مع وجود دول عربية متوسطية مرتبطة بمنطقة تجارة عربية حرة مع باقي دول المنطقة أو مع دول الاتحاد الأفريقي.
يعني تحسين ودعم العلاقات الاقتصادية العربية الأوروبية والأفريقية، ولا تتعارض هذه الآلية مع وجود اتفاقيات ثنائية أو مجالس أعمال مشتركة ،كما أن إنشاء مجلس أعمال يورومتوسطي مع وجود إتحاد غرف يورومتوسطية بشكل متكامل للآليات والاتحاد الذي يضم الغرف ينصب اهتمامه على التجارة وتم إنشاؤه منذ عشر سنوات، وكان له أثر كبير في زيادة حجم التبادل التجاري العربي الأوروبي.
حيث تعد أوروبا وخاصة الدول المتوسطية أكبر شريك تجاري للدول العربية وأكبر من الولايات المتحدة الأميركية . ويساعد إنشاء مجلس رجال الأعمال اليورومتوسطي على التقاء رجال الأعمال من الطرفين والاتفاق مع المستثمرين لتحريك استثماراتهم للمنطقة وعمل لقاءات تسمح بالتعرف على الاحتياجات المباشرة لكل دولة، وتتعرف الدول الأوروبية على المناخ الاستثماري بدول جنوب المتوسط، وما طرأ عليه من إصلاحات جعلته ملائماً بشكل أكبر لاستقبال استثمارات أوروبية بشكل أوسع، وخلق مصالح مشتركة بين رجال الأعمال والمستثمرين من الطرفين .
مجلس أعمال يختلف في مهامه وأدائه
يؤكد د . سمير رضوان المدير الإقليمي لمنفذي البحوث الاقتصادية أنه على الرغم من وجود مجالس أعمال على المستوى الثنائي تهتم بالعلاقات الاقتصادية بين دول جنوب المتوسط وشماله، إلا أن إنشاء مجلس أعمال يورومتوسطي له ميزة تجعله يختلف في أدائه وأهدافه عن هذه المجالس القائمة، حيث يدخل البعد الإقليمي في تكوينه، وهو أمر يحظى بأهمية كبيرة في ظل تحولات سياسية للاتحاد الأوروبي الحالية من اتفاقية يرسكون إلى برنامج جديد يسمى سياسة الجوار، حيث أنه طبقاً لهذه السياسة يتم عقد اتفاقيات مع دول جنوب المتوسط وعلي أساسها يتم التعامل وتقديم المعونة الفنية لدول جنوب المتوسط، وهو الأمر الذي كان يحدث على مستوى الحكومات.
وبالتالي فإن إضافة بعض منظمات الأعمال تعد تحركاً هاماً، لأن دخول القطاع الخاص كطرف في المفاوضات الخاصة مع الحديث على إنشاء منطقة حرة يورومتوسطية سينعكس بشكل إيجابي في دفع حركة الاستثمارات الأجنبية إلى دول جنوب المتوسط لأن وجود القطاع الخاص بلا شك يحسن صورة المستثمر في الشمال ويساعد على اتخاذ القرار في دول جنوب المتوسط ،كما سيكون ورقة هامة خلال عمل أي مفاوضات حول إنشاء منطقة حرة يورومتوسطية تحقق أهداف دول شمال وجنوب المتوسط، وتدفع نحو تعامل إقليمي حقيقي وفعال بشكل أكبر.
القاهرة ـ محمد يوسف