كان علينا أن نسير مسافة من الزمن تقارب الأربعين دقيقة، للوصول إلى منتجع «الصحراء» الذي أنشأته «دبي لاند» على مساحة واسعة، في المنطقة الواقعة إلى الجهة اليمنى للطريق السريع، الذي يصل دبي بمدينة العين.
ولعل ما يجتذب المرء لتكبد عناء الرحلة الطويلة ليلاً، وسط أجواء باردة، هو سماع الموسيقى في فضاء صحراوي مفتوح على الأفق، وما ينقله إلى المخيلة من شعور يحفز الأحاسيس بتمضية أمسية ممتعة مع جمع من متذوقي الفنون.
وحين ندلف باتجاه مدخل المسرح، نلاحظ أناقة المساحات الخارجية التي انتشرت في أرجائها أشجار النخيل والغاف والسدر والمزروعات المتنوعة، وصممت وفق خصائص البيئة التراثية والبدوية، خيام منصوبة هنا وهناك مفتوحة للضيوف القادمين، وسوق شعبي يحفل بالمعروضات من نحاسيات وتوابل ومشغولات يدوية وغيرها، وركن للمأكولات الشرقية والمغاربية، وجلسات للنراجيل.
لدى اقترابنا من المدخل الرئيسي للمسرح، فاجأنا فنانو استعراض «جمانة سر الصحراء» بفقرات فنية راقصة على أنغام الموسيقى الشرقية والغربية، مرفقة بألعاب الخفة وقذف النيران من الأفواه. وعلى مدى نصف الساعة، حظينا باستقبال رائع تخللته مقطوعات موسيقية، ورقصات تعبيرية، لنخطو بعدها في اتجاه بوابة المسرح الخشبية الضخمة التي تذكر بأبواب القصور والقلاع التاريخية.
شعور بالرهبة والإبهار يلف الداخلين إلى فضاء المسرح المفتوح، الذي جرى تشييده بمقاييس عالمية، الديكورات تلال رملية ترتسم عليها أشكال وألوان العرض الموسيقي، وأبراج تنطلق منها الإضاءة المتقنة لهذه الأمسية التي تحييها «موسيقى عبر الحدود» وهي فرقة أوبرالية عالمية، قصدت دبي بعد جولتها الثانية الناجحة في «الأراضي المقدسة» في فلسطين المحتلة، حيث قدمت حفلات غنائية على مدى أسبوع في مدن وبلدات الضفة الغربية.
وإلى الهدوء والسكينة العظيمين اللذين لفا المكان، أسهمت برودة الصحراء في إضفاء أجواء من الرومانسية على الأمسية الموسيقية التي صدحت خلالها مغنية «السوبرانو» دونا زابولا بصوتها الرخيم الذي ترددت أصداؤه في الأمداء الصحراوية المترامية، وكان إلى جانبها في تقديم فقرات الحفل «التينور» كوك ستيوارث مورغان، حيث شكلا ثنائياً رائعاً أمتع الجمهور المنتشر على مدرج المسرح، ونقله إلى عوالم رواد الموسيقى العظماء فيردي وبوتشيني وموزارت وشوبان وليسزت وغيرهم.
ولم تكن فقرات العزف على البيانو من العازف اليوناني الشهير يوانيس بوتاموسيس الحائز على شهادات دولية عدة، سوى جرعات من الحنين قدمتها أنامله الرشيقة لتمتع آذان الجمهور، حيث نال التصفيق الحار لدى فراغه من كل مقطوعة، احتفالاً بقدراته الفنية الفائقة والشاعرية المرهفة التي تسري في موسيقاه.ختاماً، لا بد من القول إن تلك الأمسية الجميلة، أنست الحضور المتعدد الجنسية بدفء موسيقاها وحماسة فنانيها برودة الصحراء التي لا تحتمل.
دبي ـ إسماعيل حيدر
