يستخدم الألمان 65 عملة إقليمية ومحلية إلى جانب اليورو في بلادهم، ويتم تبادل هذه العملات بحرية كما لو كانت عملة قانونية، وتستخدم حتى في البطاقات الائتمانية، لكن محطات الوقود لا تزال لا تقبل هذه العملات، إلا أن كثيراً من المنافذ تقبلها ويتزايد عددها يوماً بعد يوم. وفي ولاية بفاريا مثلاً الواقعة داخل ألمانيا العضو في منطقة اليورو، يتداول السكان عملة تشيجامو في المطاعم والمخابز ومحال تصفيف الشعر والسوبرماركت، ويصل سكان بفاريا الذين يتداولون هذه العملة إلى نصف مليون نسمة.
والتشيجامو هي إحدى 16 عملة إقليمية انتشرت في أنحاء ألمانيا والنمسا منذ إطلاق العملة الأوروبية الموحدة، والمتوقع صدور 49 عملة أخرى من هذا النوع، ولا تخضع هذه العملات لسيطرة السلطات السياسية، ويديرها نشطاء ومزارعون ومؤيدو الحفاظ على البيئة وجماعات مناهضة للعولمة ولجان مواطنة. بعض العملات يتم تداولها في المناطق الريفية ويتم تداول البعض الآخر سراً في برلين وبريمين وهناك عملتان محليتان في هامبورج هما الألتو والهاترمارك.
ويشعر الخبراء بالحيرة من دور البنك المركزي الألماني (البندزبنك) إزاء هذه الظاهرة التي لم تحدث منذ الكساد العظيم، ولا يحرك البنك المركزي الذي يصدر عملات باليورو قيمتها 146 مليار يورو ساكناً إزاء هذه الظاهرة وخطر يهدد الولاية القانونية على العملة، غير أن البنك اكتفى بإصدار تقرير من 63 صفحة يشير إلى انتشار هذه الظاهرة، ويقول التقرير الذي يحمل عنوان «العملات الإقليمية في ألمانيا» منافسة محلية لليورو إن نطاق هذه العملات لا يشكل تهديداً على الإدارة المنظمة لليورو أو العملة الأوروبية الموحدة.
ويرجع تاريخ ظهور هذه العملات إلى إلغاء المارك الألماني وتبني اليورو في ألمانيا. ويقول جيرارد روسل صاحب تقرير البنك المركزي إن ظهور هذه العملات في وقت إلغاء المارك الألماني وتبني اليورو هو محض صدفة وأن افتراض أن هذه العملات ظهرت للوجود بسبب الشكوك العامة في اليورو ليس صحيحاً.
ويضيف ان هذه الظاهرة هي تعبير عن رفض العولمة الرأسمالية وهو مبدأ دفع إليه نشطاء مثاليون ينادون بالحفاظ على الثقافة المحلية. وقال إن هذه العملات هي ترف يزدهر في المناطق ذات أعلى معدل بطالة، وتوفر لمن يستخدمونها مكانة مرموقة في أقاليمهم وشعوراً بالفخار الوطني. وقد أطلق كريستيان باليري المدرس عملة التشيجامو، بمساعدة تلاميذه كتجربة في يناير 2003، وسعرها يعادل سعر اليورو.
وبعد مرور 4 سنوات انتشرت العملة في أربع مناطق وقبلها 5500 متجر وشركة، منها 8 متاجر سوبر ماركت و4 بنوك تعاونية. وهناك 40 مكتباً تصدر هذه العملة ويتوسع تداولها بنسبة 70% سنوياً. ولا يزال المتداول منها شهرياً 135 ألف يورو (88 ألف استرليني) وقال جاليري إن الناس قبلوا هذه العملة لأنها وسيلة لدعم قضايا نبيلة.
وتفقد التشيجامو 2% من قيمتها كل ربع سنة وتوفر أرباحاً لمكاتب الإصدار عندما تطالب المتاجر باستبدالها باليورو. ويتم توجيه 60% من الأرباح لأعمال خيرية ونواد رياضية وحضانات أطفال وغيرها. والمتاجر التي تقبل هذه العملة تقبل خسائر بقيمة 5% بناء على رسوم التبادل التي تدفعها عند استخدام بطاقات الائتمان. ويقول جاليري إن التجار يدفعون التكلفة لكنهم لا يزالوا يقبلونها لأنهم لا يريدون أن يخسروا العملاء.
ونتجت هذه الفكرة من كتابات سيلفيو جاسل الخبير الاقتصادي الألماني الذي اعتقد أن الفوائد والإيجارات على المال غير جيدة أو محرمة. وقال إن الرب يفاقم من الكبوات الاقتصادية لأن الأغنياء بدأوا يكدسون المال. وأطلق سكن منطقة تايرولين في مقاطعة فورجل برنامجاً على أساس هذه النظرية في 1932، وقيل عنه أنه خفض معدل البطالة في ذروة الكساد الكبير.
وقال جاليري إنه توصل إلى فكرة من دراسة نظريات كينيزو وفيشر ـ اللذين أشرفا على برنامج فورجل، غير أنه قال إنهم ليسوا أعداء أوروبا. وأعلن البنك المركزي النمساوي أن تجربة فورجل غير قانونية، عندما أطلقت 200 منطقة أخرى عملات محلية ـ تعدد سلطة الدولة.
ورغم أن الفقرة 35 من القانون التأسيسي للبنك المركزي الألماني تحظر تداول عملات موازية، فإنه يتعامل مع هذه التجارب بتسامح شديد على أنها لا تشكل تهديداً. غير أن هذه العملات هي تعبير عن سلطة الشعب وتشكل تهديداً مقيماً للنظام الراسخ. فإذا كان ظل المارك الألماني مستمراً في التداول بدلاً من اليورو ما كان لذلك أن يحدث.
ترجمة: أشرف رفيق: