اكتظت قاعة المسرح الوطني( محيي الدين باشطرزي) في العاصمة الجزائرية الليلة قبل الماضية بمئات من المثقفين والفنانين والمسؤولين وكذلك من عشاق أب الفنون جاؤوا لمتابعة العرض الأول لـ «الحكواتي الأخير» تأليف الكاتب المغربي الشهير عبد الكريم برشيد وإخراج التونسي المنجي بن براهيم وتمثيل نخبة من الفنانين الجزائريين على رأسهم عبد الحليم زريبيع في دور الحكواتي. وبهذا العمل تحقق تظاهرة «الجزائر عاصمة الثقافة العربية 2007» حلماً فنياً وثقافياً مغاربياً عمر أربعين سنة قبل أن يرى النور.
و«الحكواتي الأخير»، المقرر استمرار عرضه لغاية السادس والعشرين من الشهر الجاري، يحاول استعادة لوحات احتفالية وتراجيدية من زمن الحكي الجميل عبر رجل يعيش انقلاب الزمن عليه، إذ يحاصره عصر تشيؤ الإنسان ومظاهر الحياة حوله وتسارع إيقاعها؛ حيث يلاحظ الحكواتي أن الساحة التي تعود أن يحكي فيها، أو بعبارة أخرى، أن يحقق وجوده ووجود الناس من حوله فيها صارت مهددة في وجودها بالهدم، ووظيفتها بالصمت المطبق والإسمنت والحجارة والعلاقات التي تنشأ فيها بالتلاشي.. ليحل منطق الآلة والسرعة وعولمة الأشياء محل منطق الحكاية بعوالمها الطفولية والسحرية والجمالية المعمرة في أرجاء فضاء الساحة والذاكرة المحلية قروناً طويلة.
ومن هنا تطغى أصوات الآلات على صوت الحكواتي الشعبي الذي يلاحظ أن كل شيء قد تغير، وأن كل الذين كانوا معه في الساحة قد رحلوا أو تغيروا أو حاولوا التكيف مع مستجدات الواقع الجديد. وقبل أن تأخذ الحياة مسارها في اتجاه يظل محل تساؤل الحكواتي ومقاومته، يستوقفنا هذا الأخير في آخر ليلة للحكي.
ولتحقيق مشروع الحكاية، يفسح الحكواتي المجال لتوالي أربع لوحات تراجيدية تستعرض تجارب في الساحة، أولاها تجربة «حربة المسيح»، تمثيل علي جبارة، و«شدوان المغني»، تمثيل جمال قرمي، وميمون الكاتب العمومي، تمثيل حيدر بن حسين، وطارق المرشد السياحي، تمثيل عباس محمد إسلام.. وهي نماذج من المجتمع يختبر عبرها مآل كل فئة من الفئات الاجتماعية في اتجاه تكثيف المأساة، وتصعيد فعل التطهير الفني في جو من الاحتفالية التلقائية في الظاهر والمحسوبة في الحقيقة، كون أن ما تنحاز إليه المسرحية إنما هو الحياة والحيوية في عنفهما وفي عنفوانها كما في ماضيها بقيمه الجميلة المتوارثة ومستقبلها بمأمولاته ومخوفاته أيضاً.
ومن هنا فمبرر التمسك بالساحة، بتعبير المؤلف، إنما يخفي وراءه القول بالتمسك بملتقى الناس، وبفضاء الكلام والاستماع والاستمتاع بالدفء الإنساني. وهي مظاهر الحياة الفطرية أو الحقيقية الآيلة للزوال بفعل هجمة مظاهر المدينة المقنعة في اجتياحها مجلات الحياة كافة حتى تلك التي يتمسك بها الحكواتي في ليلته الأخيرة.
وأما الجانب الإخراجي فقد اعتمد المنجي بن إبراهيم، كما يقول، على عناصر «الفرجة الحديثة»، وذلك بـ «تصوير أحداث لها علاقة بطعم وألوان الماضي ومتفاعلة مع إشكالات الحاضر ومستشرفة لمستقبل لا يخلو من غيبيات غامضة»، ليظل المسعى في «الحكواتي الأخير» «أن يكون التعبير المسرحي شاملاً لجودة الأداء التمثيلي والتصوير الحركي المتناغم مع العوامل التأثيرية للاستخدامات التقنية المؤطرة لهذه اللعبة الفنية التي ترنو إلى أن تكون أثراً مسرحياً موسيقياً متكاملاً.
الموسيقى من جهتها شكلت عنصراً أساسياً وفعالاً في بنية هذا العمل، إذ يشغل هذا العنصر حيزاً كبيراً من العمل، بل يطفو وظيفياً على باقي عناصر العمل المسرحي في بعض فتراته. وذلك، كما يقول الموسيقار نوبلي فاضل، واضع موسيقى المسرحية، لتكثيف المشاعر ومرافقة دلالات الأحداث إلى أبعد مما يمكن أن توحي به الحركة أو الكلمة أو العناصر الأخرى المكونة للعمل.
