قال محللون إنه ربما شعر بعض فقراء العالم بالأمل في المستقبل وهم يتابعون حديث الأرقام عن نمو الاقتصاد العالمي وازدهاره على ألسنة قادة المال والسياسة الكبار، ولكن الواقع يقول إن هذا الأمل مجرد وهم وأن نمو الاقتصاد العالمي أو حتى نمو اقتصاد أي دولة شيء وخروج الفقراء من دائرة الفقر الجهنمية شيء آخر بعد أن أظهر الواقع أن ازدهار الاقتصاد لا يعني بالضرورة الحد من معدلات الفقر.
والمفارقة أن الحالة الصارخة التي تقدم الدليل على صحة هذا الكلام جاءت من دولة في أوروبا الغربية وهي من الدول التي يتطلع مئات الآلاف من فقراء العالم إلى الهجرة إليها وهي أسبانيا. فرغم الطفرة الاقتصادية التي حققتها أسبانيا خلال نحو 15 عاما لم ينخفض معدل الفقر فيها بأي درجة.
فبالنسبة للمهاجرة الكوبية في أسبانيا نانسي التي تبلغ من العمر 60 عاما يمثل دخولها أحد المطاعم حدثا نادرا لأنها لا تذهب إلى هناك
إلا عندما يدعوها أصدقاؤها إلى ذلك ويدفعون هم الحساب. وتقول «لا أشترى الملابس إلا عندما لا أجد مفرا من ذلك ودائما ما أذهب إلى المتاجر الرخيصة التي يديرها الصينيون. كما أرجيء مرات ذهابي إلى الطبيب. ومنذ سنوات لم أتمكن من زيارة كوبا لأنني لا أملك المال اللازم لذلك».
وتحصل نانسي على أكثر قليلا من 500 يورو (647 دولارا) شهريا من عملها كمرافقة لسيدة عجوز في مدينة خيريث دي لا فرونتيرا جنوب أسبانيا. وهذا المبلغ يكفي بالكاد لدفع إيجار مسكنها بمساعدة من ابنتها التي تعيش معها في الشقة الصغيرة وتحصل على مرتب أكثر قليلا من مرتب والدتها.
وربما يتصور البعض ممن يعيشون في الدول النامية أن نانسي ليست فقيرة حيث تحصل على أكثر من 500 يورو شهريا ولكن الحقيقة أنه في ضوء تكاليف المعيشة في أسبانيا يمكن اعتبار نانسي ومعها حوالي خمس عدد سكان أسبانيا البالغ 45 مليون نسمة ضمن الفقراء.
ورغم النمو المطرد للاقتصاد الاسباني على مدى 15 عاما فإن معدلات الفقر في أسبانيا مازالت كما هي ولم تسجل أي تراجع طوال تلك السنوات ومن غير المحتمل أن تنخفض تلك المعدلات خلال الفترة المقبلة في ضوء الأوضاع الراهنة. ويقول فيكتور رينيس الباحث في مؤسسة كاريتاس الخيرية التي تساعد الفقراء في أسبانيا أنه لا يوجد أي إشارة على أن هذه الأوضاع سوف تتغير في الوقت الراهن على الأقل.
وقال رينيس لوكالة الأنباء الالمانية إنه من بين أسباب النمو الاقتصادي الحالي تحرير سوق العمل الذي يؤدي إلى ظهور وظائف مؤقتة أو غير ملائمة لمؤهلات الباحثين عن العمل. الحقيقة أن الاقتصاد الاسباني أصبح واحدا من أسرع اقتصاديات الاتحاد الاوروبي نموا خلال السنوات القليلة الماضية ومن المتوقع أن يحافظ على نمو بمعدل يزيد 3 في المئة من إجمالي الناتج المحلي سنويا حتى عام 2009.
ورغم ذلك فإن حوالي 20 في المئة من سكان أسبانيا يعيشون تحت خط الفقر وفقا للمعايير الرسمية للاتحاد الأوروبي وكذلك المعايير الدولية التي تحدد الفقير بأنه من يقل دخله الشهري عن 530 يورو سنويا في أسبانيا. وتعتبر أسبانيا والبرتغال واليونان من أعلى دول الاتحاد الأوروبي من حيث معدلات الفقر. ووفقا لدراسة أجراها معهد الإحصاء الوطني الاسباني فإن أكثر من 40 في المئة من الأسر الاسبانية لا تستطيع تحمل نفقات قضاء عطلة لمدة أسبوع خارج منزلها.
وبالطبع فإن الشركات والمساهمين فيها كانت أكثر المستفيدين من النمو الاقتصادي حيث زادت الأرباح في حين تراجعت الأجور فعليا وفقا لما ذكرته صحيفة البايس الاسبانية. ومما يزيد من مشكلة الفقر والفقراء في أسبانيا الموقع الجغرافي لهذه الدولة على بعد أميال قليلة من سواحل إفريقيا أفقر قارات العالم فأصبحت مقصدا لمئات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين سنويا سواء هؤلاء القادمين من إفريقيا أو من أميركا اللاتينية بحكم الروابط التاريخية بين أسبانيا ومستعمراتها السابقة في أميركا اللاتينية.
(د ب أ)