يشعر الأوروبيون بقلق بالغ على مستقبلهم الاقتصادي أكثر من أي وقت مضى وبرغم ارتفاع مستوى المعيشة حاليا لدى غالبية الذين يعيشون في دول الاتحاد الأوروبي فهم يخشون تراجع اقتصادهم مقارنة بالاقتصاد العالمي. ولا يشعر الأوروبيون بالسعادة حاليا بفعل عدة عوامل تشمل ارتفاع معدل البطالة واختلاف القادة بشأن الأولويات والميزانيات ورفض الفرنسيين والهولنديين للدستور الأوروبي الموحد في 2005 ودق ناقوس الخطر لدى الأوروبيين أيضا بفعل صعود روسيا الغنية بالطاقة والنمو السريع للدول الآسيوية ويعتقد سكان أوروبا الغربية أن الصين سوف تسرق غذاءهم والهند سوف تسرق عشاءهم.

ويعتقد الكاتب والترلا كور أن أوروبا في طريقها للانحدار بفعل انخفاض معدل المواليد وتزايد التعصب بين السكان المسلمين. وقال لاكور في كتابه «أخر أيام أوروبا» إن أميركا سيولد لديها 400 مليون نسمة خلال 50 سنة فيما يتقلص سكان أوروبا لتصبح أصغر من باكستان سكانيا وقد تكون أقل سكانا من نيجيريا. وتساءل لاكور من الذي سيعمل في المصانع الأوروبية ومن سيخدم في الجيوش الاوروبية ولذلك انعكاسات اقتصادية وسياسية سوف تجعل مكانة أوروبا العالمية تتراجع والضغوط طويلة المدى علي الرفاهية الأوروبية كافية خاصة في الدول الغنية منها.

وتتراجع أسباب التفاؤل أمام التشاؤم في العام الجديد. وكان الأداء الاقتصادي لمنطقة اليورو مذهلا خلال الأشهر القليلة الماضية بالنسبة للمراقبين وقالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ان هناك علامات مشجعة على انتشار الانتعاش الاقتصادي في أوروبا حيث يرتفع عدد المستهلكين، وانخفض معدل البطالة لأقل من 8% لأول مرة منذ 2001 وتتوقع المنظمة نموا بنسبة 25 ,2% في منطقة اليورو خلال العام الجاري والمقبل.

وقد يكون هذا نموا متواضعا مقارنة بأماكن أخرى في العالم رغم أن الفارق ليس كبيراً على أساس نصيب الفرد من الناتج القومي. ونصحت المنظمة أوروبا بزيادة مرونة أسواق العمل ورفع القدرة التنافسية لأسواق المنتجات. وقالت إن النمو الحالي فرصة لكثير من الدول خاصة ايطاليا وفرنسا وألمانيا للسيطرة على سياساتها المالية العامة.

ومن السهل ذكر هذه النصائح لكنه ليس من السهل تنفيذها. فقد فشلت حكومات متعاقبة في منطقة اليورو في إصلاح هذه المطالب، ويقاوم أصحاب الأصوات التغيرات التي يعتقدون أنها تهدد المزايا الاجتماعية التي يتمتعون بها. فقد واجهت الحكومة الفرنسية متاعب العام الماضي عندما حاولت رفع مرونة سوق العمل، واضطر الرئيس جاك شيراك تحت ضغط الاجتماع الشعبي لإعلانه أنه لن يوافق على تطبيق القانون العمالي، الذي صدق عليه بنفسه.

غير أن الكوكبة السياسية في بريطانيا وفرنسا سوف تتغير خلال العام الجاري. وسوف يغادر شيراك قصر الأليزيه بعد 12 سنة من الحكم، وليس من الواضح من سيخلفه حتى الآن، إلا أن المؤكد أن الرئيس الجديد سيواجه تركة من المشكلات تمنعه من تغييرات اقتصادية وسياسية.وقال إيريك تشانر الاقتصادي من مورجان ستانلي إن أولوية المرشحين للرئاسة الفرنسية هي إبلاغ الناخبين بالحقائق التي تدعو إلى التغيير.

وإذا فشل المرشحون في ذلك سوف يعيد التاريخ نفسه ولن تتقدم الإصلاحات فيما تتسارع في أماكن أخرى من العالم. وتراقب فرنسا التطورات الاقتصادية في ألمانيا، حيث بدأت إصلاحات موجعة تأتي بثمارها، غير أنه لا ينبغي التقليل من شأن صعوبة إجراء الإصلاحات مع أن الحكومات الأوروبية لا تزال تسيطر على مقدراتها بغض النظر عن قوى العولمة وتجري ثورة مماثلة في قطاع الشركات الأوروبية وينتقل التركيز من التمويل المصرفي إلى التمويل بسندات الدين.

وأثبتت الشركات الأوروبية أنها تستطيع البقاء في ظل اقتصاد تسيطر عليه العولمة. ويرجع الأمر الآن للحكومات لتفهم هذه الرسالة، لكن الأوروبيين لا يزالون يشعرون بالقلق إزاء النتائج المتوقعة.

دبي ـ «البيان»: