نجح مجلس التعاون الخليجي في ما لم ينجح فيه مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بالرغم من الفارق الزمني الكبير بين إنشاء كل من المجلسين، حيث قام مجلس الوحدة الاقتصادية العربية عام 1956 ومضى على إنشائه حالياً نصف قرن، بينما قام مجلس التعاون الخليجي عام 1981 ومضى على إنشائه ربع قرن فقط، ويحتفل هذا العام بمرور خمسة وعشرين عاماً على إنشائه حقق خلالها إنجازات لم تكن متوقعة في مجالات التعاون الاقتصادي الخليجي.
وكان في مقدمة الإنجازات التي حققها المجلس تطبيق الحريات الأربع التي تشكل أسس التعاون الاقتصادي الإقليمي في أي منطقة في العالم، وهي حرية الانتقال والعمل والإقامة، وحرية التملك والإرث والإيصاء، وحرية ممارسة النشاط الاقتصادي، وحرية انتقال رؤوس الأموال، وهي الحريات الواردة في المادة الخامسة من اتفاقية التعاون الاقتصادي المعقودة بين دول مجلس التعاون الخليجي عام 1981.
وخلال العقدين الأولين من قيام مجلس التعاون تم تطبيق المساواة في المعاملة بين مواطني الدول الأعضاء في العديد من المجالات المنصوص عليها في الاتفاقية، حيث تبنت دول المجلس قرارات مهمة في هذا الشأن تنص على فتح المجال لمواطني الدول الأعضاء لممارسة النشاط الاقتصادي في أي من دول المجلس ليكونوا على قدم المساواة مع مواطنيها، وذلك ضمن ضوابط معينة لكل مجال اقتصادي، وذلك في ضوء المنهج التدريجي الذي تبنته الاتفاقية الاقتصادية لعام 1981 واقتضته ظروف تلك المرحلة من بداية العمل المشترك.
غير أنه اتضح لدى التطبيق الفعلي أن بعض هذه الضوابط كانت صعبة التطبيق وأدت إلى إحجام مواطني دول المجلس عن الاستفادة من قرارات المجلس الأعلى التي تمنحهم حق المساواة في المعاملة في تلك المجالات الاقتصادية، غير أنه رغبة في نقل العمل المشترك من مرحلة التنسيق والتعاون إلى التكامل، فقد تم إبرام اتفاقية اقتصادية جديدة في عام 2001 تنص على التطبيق المباشر لمبدأ المساواة الكاملة في المعاملة في جميع المجالات الاقتصادية.
وتتضمن المادة (3) أهم نص في هذه الاتفاقية بشأن المواطنة الاقتصادية وهو النص الذي يحتوي على هذا التوجه الجديد، حيث تنص هذه المادة على التطبيق العملي العاجل لمبدأ المساواة الكاملة في المعاملة لجميع مواطني دول المجلس وذلك عن طريق ضمان مبدأ معاملة مواطني دول المجلس المقيمين في أي من الدول الأعضاء نفس معاملة مواطنيها «دون تفريق أو تمييز» في كافة المجالات الاقتصادية، ويشمل ذلك المواطنين الطبيعيين والاعتباريين.
وتأكيداً لهذا المبدأ وإزالة لأي لبس فقد نصت المادة المذكورة على مجالات اقتصادية محددة يتعين فيها تحقيق المساواة في المعاملة بين مواطني دول المجلس، ومن أهم هذه المجالات: التنقل والإقامة، العمل في القطاعات الحكومية والأهلية، التأمين الاجتماعي والتقاعد، ممارسة المهن والحرف، مزاولة جميع الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية والخدمية، تملك العقار، تنقل رؤوس الأموال، المعاملة الضريبية، تداول وشراء الأسهم وتأسيس الشركات، التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية (وهي مجالات عشرة).
ويتضح المنهج الجديد للعمل المشترك في نص قرار الدورة الثالثة والعشرين للمجلس الأعلى (ديسمبر 2002)، الذي وضع برنامجاً زمنياً لاستكمال متطلبات تحقيق هذه المجالات، وهي التي تكون السوق الخليجية المشتركة، على النحو التالي:
(أ) يتم تطبيق المساواة التامة في المعاملة بين مواطني دول المجلس في مجال العمل في القطاعات الأهلية، ومجال تملك وتداول الأسهم وتأسيس الشركات، وإزالة القيود التي قد تمنع من ذلك، في موعد أقصاه نهاية عام 2003.
(ب) يتم تطبيق المساواة التامة في المعاملة بين مواطني دول المجلس في مجال العمل في القطاعات الحكومية، والتأمين الاجتماعي والتقاعد، وإزالة القيود التي قد تمنع من ذلك، في موعد أقصاه نهاية عام 2005.
(ج) تستكمل اللجان المختصة جميع المتطلبات اللازمة لضمان تحقيق السوق الخليجية المشتركة في موعد أقصاه نهاية عام 2007.
ويعني هذا الجدول الزمني المضي قدماً في كافة إجراءات تحقيق المساواة التامة في المعاملة بين مواطني دول المجلس في جميع المجالات المنصوص عليها في الاتفاقية وفق هذا البرنامج الزمني، بحيث تزال جميع القيود والضوابط التي تحد من تحقيق المساواة التامة، وذلك بتحديث قرارات العمل المشترك.
وقد أقر المجلس الأعلى في دورته الرابعة والعشرين (ديسمبر 2003) آلية متابعة سير العمل في السوق المشتركة على النحو التالي:
- تقوم اللجان الوزارية المختصة باقتراح الآليات اللازمة لاستكمال تطبيق السوق الخليجية المشتركة وفق البرنامج الزمني المحدد في قرار المجلس الأعلى في الدورة الثالثة والعشرين.
- تكلف لجنة التعاون المالي والاقتصادي بمتابعة سير العمل في السوق الخليجية المشتركة في ضوء قرارات المجلس الأعلى والاتفاقية الاقتصادية، وتقييم المرحلة التي وصل إليها التطبيق في كل جانب من جوانبها، ودراسة ما يواجه التطبيق من عقبات واقتراح الآليات اللازمة لتذليلها.
وبينما لم تتضمن اتفاقية عام 1981 أي ذكر مباشر للمواطنة الاقتصادية أو السوق المشتركة، فإن الاتفاقية الاقتصادية المطورة لعام 2001 تنص مباشرة على أن الهدف من تحقيق المساواة في المعاملة في المجالات العشرة الواردة فيها هو تحقيق السوق الخليجية المشتركة، كما تشير إلى تحقيق المواطنة الاقتصادية كهدف من أهدافها.
ومن الملاحظ أن ديباجة الاتفاقية الاقتصادية لعام 2001 أشارت إلى أن الاتفاقية تمثل استجابة لتطلعات وآمال مواطني دول المجلس في تحقيق المواطنة الخليجية، بما في ذلك المساواة في المعاملة، وفي التنقل والإقامة، والعمل، والاستثمار، والتعليم، والصحة، والخدمات الاجتماعية، موضحة بأن ذلك هو أحد أهم أهداف هذه الاتفاقية، وفعلاً أصدرت كل من دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان قراراتها الداخلية بالتطبيق اعتباراً من عام 2006 بينما أعطيت دولة قطر مهلة في التطبيق حتى عام 2007 حسب طلبها.
من هنا أقول إن مجلس الوحدة الاقتصادية الذي نشأ منذ ما يقرب من نصف قرن وأقر اتفاقية السوق العربية المشتركة عام 1964 لم يستطع تطبيق أي من الحريات الأربع التي قام مجلس التعاون الخليجي بتحقيقها فعلاً في أقل من ربع قرن، بالرغم من أن اتفاقية السوق العربية المشتركة تضمنت أهمية تحقيق الأهداف التالية تنفيذاً لقرار مجلس الوحدة الاقتصادية رقم (17) بتاريخ 13 /8/ 1964:
1. حرية انتقال الأشخاص ورؤوس الأموال.
2. حرية تبادل البضائع والمنتجات الوطنية والأجنبية.
3. حرية الإقامة والعمل والاستخدام وممارسة النشاط الاقتصادي.
4. حرية النقل والترانزيت واستعمال وسائل النقل والمرافئ والمطارات المدنية.
غير أنه للأسف لم يتحقق حتى الآن أي من هذه الأهداف بل لم يتم التوقيع على اتفاقية السوق العربية المشتركة إلا من ست دول فقط وبالتالي لم تر الاتفاقية النور حتى الآن، ونتمنى أن يعطي مجلس التعاون الخليجي خبرته في التنفيذ العملي لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية الذي عجز تماماً عن تنفيذ السوق العربية المشتركة بالرغم من التصريحات الوردية التي يطلقها بين فترة وأخرى، وبالرغم من أهميتها في محيط التعاون الاقتصادي العربي وفي معالجة المشاكل الاقتصادية التي تواجه المنطقة العربية.
أقول هنيئاً لمجلس التعاون الخليجي الذي حقق كل هذه الإنجازات على مستوى الدول الخليجية وقد أصبح كل مواطني دول التعاون الخليجي يتمتعون بالمساواة التامة في المعاملة من حيث حق الإقامة والعمل في كافة دول المجلس، كما يتم حالياً التنقل بين خمس من دول المجلس بالبطاقة المدنية، وتم فعلاً إصدار البطاقة الذكية في ثلاث من هذه الدول وهي مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان أما الثلاث دول الأخرى فقط قطعت شوطاً كبيراً في إعداد هذه البطاقة وسوف تقوم بإصدارها قريباً.
كاتب اقتصادي مصري
y_elmasry000@hotmail.com