يعد الاندماج الاقتصادي أعلى مرحلة من مراحل التكامل الاقتصادي، فهو يتضمن إضافة إلى ما نصت عليه اتفاقية الاتحاد الاقتصادي والسوق المشتركة في المراحل السابقة، توحيد السياسات الاقتصادية كافة، وإيجاد سلطة إقليمية عليا، وجهاز إداري مسؤول عن تنفيذ هذه السياسات، وفي هذه المرحلة من التكامل توافق كل دولة عضو على تقليص سلطتها التنفيذية الذاتية وخضوعها في كثير من المجالات للسلطة الإقليمية العليا،

وهذا يعني الوصول إلى التكامل الاقتصادي التام، الذي يجعل هذا التكتل مرتكزاً على المصالح الاقتصادية المتبادلة التي تأخذ في اعتبارها متطلبات العولمة والانفتاح المصاحبة للتغيرات الاقتصادية العالمية، وفي الوقت الذي تتحدث الدول الاقتصادية الكبرى عن تحرير التجارة نراهم يطبقون قيوداً جديدة تتناقض تماماً مع فكرة وفلسفة التحرير من حيث إنها تقلل قدرة الدول النامية على الدخول إلى حلبة التجارة الدولية، وعلى تعظيم انتاجها ووقوفها على قدم المساواة ليس بالضرورة المساواة العددية،

ولكن على الأقل المساواة والإنصاف من حيث القواعد ومن حيث الفرص المتاحة أمام الدول لكي تتقدم. فهم يفرضون قيوداً على التجارة من حيث مواصفات معينة لا تتوافر لدى منتجات الدول النامية، ولكي تنجح جهود التكامل الاقتصادي لا بد أن تكون الفوائد للمجموعة ككل ولكل دولة على حدة أكبر من الأعباء، ويجب ألا تنحصر هذه الفوائد والأعباء على التجارة كما يميل معظم الباحثين.

بل لا بد أن تشمل الخدمات بما في ذلك السياحة والاستثمار وانتقال الأفراد وغير ذلك مما تفرزه جهود التكامل من حيوية ديناميكية على النشاط الاقتصادي ككل، فالضغط على تكلفة الإنتاج إلى الحدود التي تتمكن الدول النامية من الدخول إلى الأسواق العالمية لا يمكن مواصلته في الأمد الطويل لسببين رئيسيين:

الأول: ان ضغط تكلفة الإنتاج سيكون على حساب المبالغة في استغلال الموارد الطبيعية والبيئية والبشرية والهياكل الرأسمالية والبنى التحتية من دون الحصول على مورد يكفي لتعويضها أو إصلاح ما استهلك منها أثناء العملية الإنتاجية، وحتى الدول التي تتمتع بميزة نسبية في مجال الموارد الطبيعية أو عدد السكان ستثار أمام صادراتها قضايا شائكة تتعلق بالإعانات والحفاظ على البيئة والحد الأدنى للأجور وتشغيل الأطفال وحقوق الملكية الفكرية،

وقد أثارت بعض الدول المتقدمة في الطشد موضوع الأجور مع بعض الدول النامية كالهند التي تعتمد في صادراتها من الأنسجة على ميزتها النسبية في وجود عمالة رخيصة بسبب ضخامة حجم السكان وتدني مستوى المعيشة، ومن جهة أخرى سبق وان بيّن الاتحاد الأوروبي وجهة نظره بشأن صادرات دول منطقة الخليج العربي من البتروكيماويات بالقول بأنه وبقية الدول الصناعية المتقدمة المنتجة للبتروكيماويات بكلف عالية سوف لن يسمحوا للمنتجات البتروكيماوية من دول الخليج

لأن هذه الصادرات مدعومة بشكل كبير من خلال تزويدها بالمواد الأولية من نفط وغاز بأسعار رخيصة جداً بسبب ما تتمتع به هذه المنطقة من ميزة نسبية في هذه الموارد، وأن الدول المنتجة لهذه السلع بكلف عالية سوف تسعى إلى حماية منتجاتها المحلية إما بمنع صادرات هذه الدول من الدخول إلى أسواقها بموجب شروط منظمة التجارة العالمية أو فرض رسوم جمركية عليها موازية للإعانات المدفوعة لها.

السبب الثاني: إن كلف الإنتاج سوف لن تتيح للدول العربية تطوير منتجاتها والإنفاق على الأبحاث والابتكارات الجديدة لمواكبة التطورات التكنولوجية.كما ان منتجات القطاع الخاص تتأثر هي الأخرى بضغط الأسعار بشكل يدعو على الاعتقاد بعدم وجود معايير دقيقة لاحتساب الكلفة، فكثير من الدول النامية تصدر سلعاً استهلاكية كالملابس والأحذية بأسعار زهيدة جداً تباع في أسواق الدول المتقدمة بهامش ربح وضريبة مبيعات قد يبلغ مجموعها 1500 بالمئة وحتى أكثر من السعر الذي يتم فيه استيراد السلعة.

أما الدول المتقدمة فهي واعية تماماً بحجم الصعوبات التي تعانيها الدول النامية في التصدير إلى أسواقها، فمن الواضح أن المؤثرات والضغوط الخارجية التي تم عرضها في السياق، قد استوجبت القيام بعملية الإصلاحات الاقتصادية وإعادة النظر بالسياسات والتوجهات الاقتصادية الاجتماعية والسياسية للبلدان العربية،

غير ان نتائجها مهما بلغت أهميتها على الصعيد القطري فليس بمقدورها تجاوز الصعوبات والمشكلات الاقتصادية الاجتماعية بالقدر المطلوب من الكفاءة، كما أنها لم تؤد الدور المطلوب في النهوض بالاقتصاد العربي وقيام سوق عربية مشتركة من أجل ذلك ينبغي التأكيد على عدد من المرتكزات المهمة هي:

ـ التركيز على خلق قاعدة إنتاجية قادرة على تقريب المسافات في مستويات الأداء والذي من خلاله يمكن توثيق العلاقات الاقتصادية العربية وحماية الاقتصاد العربي وتمكينه من تقليل الخسائر في حالة الاندماج غير المتكافئ مع الاقتصادات الأخرى المتطورة.

ـ إنشاء عدد محدود من المؤسسات المالية الضخمة، القادرة على العمل في موقف تنافسي أمام التكتلات الاقتصادية والمالية الدولية، لأنها في حدود إمكاناتها الحالية لن تقوى على منافسة المؤسسات المالية الدولية في ظل تحرير الخدمات ودخول هذه المؤسسات الدولية للعمل بحكم اتفاق (الجاتس).

ـ تنشيط الاستثمار العربي، وهنا يبرز دور القطاع الخاص ورجال الأعمال والشركات العربية في هذا المجال، لأننا في عصر يتحمل فيه القطاع الخاص مسؤولية كبيرة في كل قطر.

ـ توفر رؤى سياسية عربية معاصرة ترتقي إلى مستوى إدراك المخاطر الاقتصادية ـ السياسية والدولية والسعي بجد نحو مواجهتها.

ـ الاهتمام الخاص بالعلوم والتطورات العلمية التقنية ورفع مستوى القوى العاملة وتأهيلها وتدريبها ورفع مستوى أدائها وكفاءتها وبالتالي توظيفها واستخدامها في النمو والتطور الاقتصادي.

ـ استخدام التخطيط التنموي كأسلوب في إدارة الاقتصاد العربي.

ـ تفعيل الاتفاقيات والمعاهدات والتكتلات الاقتصادية العربية لخلق حالة من التفاعل والتمهيد لقيام السوق العربية المشتركة.

هذه المرتكزات إلى جانب النتائج الاقتصادية الاجتماعية لسياسة الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي كفيلة بخلق موقف عربي مشترك وإطار مؤسسي تتكتل وتتوحد حوله كل الجهود.

كاتب ومحلل اقتصادي

kutaiba@eim.ae