ظلت السيولة النقدية ترتفع بشكل متزايد مما حذا بالمستثمرين إلى الاتجاه إلى أصول أكثر خطورة من أجل عائدات أكبر. والمشكلة التي تواجه الدول الآسيوية وعلى رأسها تايلاند حالياً، هي الحد من دخول رؤوس الأموال الأجنبية.

ورغم أنه لا يوجد مقياس دقيق للتدفقات المالية العالمية إلا أن مجلة «الايكونوميست» قدرت ان السيولة والتدفق المالي في العالم زاد بنسبة 18% خلال السنوات الأربع الماضية وهو أعلى معدل له حتى الآن.

وتدفقت الأموال بشكل كبير في العام الماضي على الدول ذات الاقتصاد الصاعد والنامي حتى رفعت قيمة عملاتها. وارتفع البات التايلاندي منذ بداية 2006 حتى منتصف ديسمبر الماضي بنسبة 16% مقابل الدولار، وبمعدل يفوق ارتفاع العملات الأخرى.

وقد مرت الآن عشر سنوات منذ الأزمة المالية الآسيوية عندما عانت الدول الآسيوية من هروب العملات الأجنبية وسبب ذلك الانهيار للاقتصاد الآسيوي.

لكن مع ارتفاع التدفق من الأموال الأجنبية على تايلاند خلال ديسمبر الماضي، شعر البنك المركزي بالرعب، واتخذت البلاد إجراءات للحد من دخول هذه الأموال قبل أعياد الميلاد. وبعد هبوط أسعار الأسهم بنسبة 15% في يوم واحد، رفعت تايلاند القيود عن الاستثمارات الأجنبية في الأسهم وظلت قائمة على الاستثمار في الإقراض وقد سبب هذا التغير السريع تآكلاً في مصداقية صناع السياسة الاقتصادية في البلاد. غير أن هذه الإجراءات تؤكد خطورة الحيرة التي تواجه الدول الآسيوية الأخرى فكيف يمكن الحد من السيولة المحلية إذا كانت الأموال الأجنبية تتدفق بغزارة. غير ان هذا مفهوم خاطئ للمشكلة.

ويقول ديفيد كاربون الخبير الاقتصادي في بنك دي. بي. إس السنغافوري ان ارتفاع قيمة البات ليست هي القضية الرئيسية ـ لأن صادرات تايلاند لاتزال تنمو بقوة. لكن البنك المركزي يشعر بقلق بشأن النمو السريع في السيولة المحلية. وانخفاض أسعار الفائدة سوف يزيد المشكلة تعقيدا لأنه يرفع من نسبة الإقراض ومعدل التضخم وأسعار الأصول. وتدخل البنك من جهة أخرى لوقف ارتفاع سعر البات بإطلاق الدولار في السوق سوق يعزز أيضاً من المعروض النقدي.

ويشير براد ستسر من مؤسسة روبيني جلوبال إيكونوميكس إلى أن البنوك المركزية الآسيوية لابد أن تشتري الدولار ليس فقط من أجل احتياطي الحساب الجاري بل لأن المستثمرين يأتون بالأموال إلى المنطقة. فإذا انخفض سعر الدولار بناء على ذلك فقد يخسر البنك المركزي في شكل هبوط قيمة الاحتياطي بالدولار ـ رغم أن الدول الآسيوية قد تكون سعيدة بدعم صادراتها ولاتريد ان تدعم البنوك الأجنبية وصناديق المعاشات أو الصناديق التحوطية.

والقيود المالية تقع ضمن المثلث المستحيل كما يسميه خبراء الاقتصاد. فلا يمكن لاقتصاد ما أن يتحكم في أو يسيطر على السيولة المحلية في الوقت نفسه مع سعر العملة وأن يفتح الطريق لتدفق الأموال الأجنبية. ويمكن فقط التحكم في عنصرين من هذه الثلاثة. ويمكن أن يكون التحكم في التدفق النقدي على المدى القصير حلاً ممكناً إذا تم تطبيق ذلك بطرق حصيفة وشفافة، وبالتالي الحد من تدفق الأموال والنمو المبالغ فيه في السيولة مع عدم الضغط على سعر العملة.

وتدرس دول آسيوية أخرى أيضاً وسائل للحد من تدفق الأموال الأجنبية. فقد رفعت كوريا الجنوبية من صعوبة شروط الافتراض بالعملة الأجنبية لتجعل من الأصعب على البنوك الاقتراض من الخارج. وحافظت الصين على القيود المفروضة على التدفقات المالية الأجنبية مما ساعد في الحفاظ على قيمة عملتها المحلية ضد الارتفاع.

غير ان هذا يشكل ضغطاً على التنافسية لدى الدول الآسيوية الأخرى. ويعتقد كثير من خبراء الاقتصاد أن ارتفاع قيمة اليوان الصيني لدى يساعد في خفض العجز الأميركي مع الصين، لكنه مؤكد سوف يساعد في رفع الضغط عن المصدرين الآسيويين ويساعد في الحد من التدفق العالمي الهائل للسيولة.

مصادر السيولة

وتأتي التدفقات المالية العالمية من مصدرين رئيسيين، أولهما ان متوسط أسعار الفائدة في الدول النامية لايزال أقل من المتوسط على المدى الطويل. وثانيهما العجز التجاري الأميركي الهائل وما يترتب عليه من تراكم احتياطيات بالعملة الأجنبية لدى كثير من الدول والفائض الخارجي دفع بكميات هائلة من الدولارات إلى النظام المالي.

وتدفقت كميات كبيرة من دولارات الفوائض الآسيوية وعائدات تصدير البترول على الاستثمار في السندات الأميركية، وبالتالي انخفضت عائداتها. وفي المقابل شجع انخفاض عائدات سوق السندات على تدفقات أكبر إلى الأسواق ذات العائدات المرتفعة في الأسواق النامية في مجالات السندات والأسهم والعقارات خاصة في آسيا.

وانخفض متوسط الفارق بين عائدات سندات الأسواق الصاعدة والسندات الأميركية، إلى معدل قياسي الأسبوع الماضي، وارتفعت أسعار الأسهم في الأسواق الصاعدة بنسبة 243% في المتوسط منذ عام 2003 حتى الآن.

ولايزال لذلك تأثيره على نسبة العائد إلى الأسعار التي ظلت أقل من المتوسط التاريخي وأقل من نظيرتها في الدول المتقدمة، ولذلك من السابق لأوانه الحديث عن الفقاعات في كثير من الأسواق. غير أنه إذا استمر ارتفاع أسعار الأصول بالسرعة والمعدل الحاليين سوف تشعر البنوك المركزية بمزيد من القلق.

ترجمة: أشرف رفيق