بعد النجاح الذي حققه الجزء الأول من الفيلم الأميركي «بلا منازع ـ Undisputed»، يعرض في صالات السينما في الإمارات حالياً الجزء الثاني تحت الاسم ذاته، ويروي هذا الجزء - كما الجزء الأول منه- قصة بطل الملاكمة العالمي للوزن الثقيل جورج تشامبرز الذي يلقب برجل الثلج، الذي انقلبت حياته رأساً على عقب بعد اتهامه بجريمة اغتصاب راح معها جميع ما حققه من أحلام، وأدخله ذلك في صراعات ومعارك كان يحسب أنه صار بعيداً عنها، ويلعب دور البطولة في هذا الجزء من القصة النجم مايكل جاي وايت، بينما يقف بالضد منه في الفيلم الممثل سكوت أدكنز الذي يؤدي دور السجين والملاكم الروسي يوري بويكا، وأخرج الفيلم الذي تم تصويره بالكامل في بلغاريا مخرج الأكشن إيزاك فلورينتاين.

تبدأ قصة الفيلم مع قدوم «جورج تشامبرز» إلى روسيا سنة 2006م ليصور مجموعة من الإعلانات مع شركات تم الاتفاق معها عن طريق مدير أعماله، وفي هذا الوقت بالذات يجري صراع دموي ينقل أسبوعياً من أحد السجون الرهيبة عبر شاشات التلفزة الروسية التي تسيطر عليها المافيا، حيث تعقد الرهانات على المتبارين وتظهر سيطرة المافيا الروسية على جميع مفاصل الحياة هناك، ويقف منفرداً في الفوز على الدوام البطل والسجين الروسي المرعب «يوري بويكا» الذي لا يكتفي بإسقاط منافسه، بل ينهال عليه ضرباً حتى الموت وسط هتافات السجناء وإدارة السجن من موقع الحدث، وهتافات أصحاب الرهانات في حانات موسكو، ويجري زج البطل الأميركي في قضية مخدرات ملفقة من قبل المافيا لجلب منافس جديد وصاحب اسم عالمي للبطل الروسي «بويكا»، ويتآمر الجميع على «جورج تشامبرز» بما فيهم مدير أعماله.

تتواصل الأحداث في السجن الروسي الرهيب، ويخضع «تشامبرز» لشتى أنواع العذاب والإهانة والأذى الجسدي والنفسي لإجباره على خوض مباراة مع «بويكا» ومع فشل جميع المحاولات وتآلب الجميع ضده، والتهديد بإبقائه في هذا السجن الذي يذكر المشاهد بفظاعات سجون «سيبيريا» أيام ستالين أو أجواء سجون «إيفان الرهيب» قيصر روسيا المرعب، ينتقل «تشامبرز» إلى الحلبة في معركة دموية منقولة عبر الهواء مباشرة مع البطل الروسي، وفي الختام يقضي عليه «تشامبرز» في معركة أقل ما توصف بأنها من أقوى المشاهد التي تصور الفنون القتالية بعيداً عن الحركات المصطنعة التي اعتاد المشاهد رؤيتها في بعض الأفلام، ويعود البطل الأميركي إلى دياره بعد أن حقق لنفسه اللقب الذي كان عنواناً للفيلم.. بلا منازع.

«انسوا روكي»

قبل أن نبدأ بالتعرف على بعض المحطات الفنية للفيلم، نود التذكير بأن بطل الجزء الأول من الفيلم هو النجم العالمي «فانغ رهاميس» بينما لعب «ويسلي سنايب» دور المنافس هوتشين مونرو، ولكن السجن كان أميركياً وليس روسياً كما هو حال الجزء الثاني، وتم إنجاز ذلك الجزء في ستوديوهات «ميراماكس» الهوليودية سنة 2002م، وتم الجزء الثاني للفيلم بأداء متميز للنجم «مايكل جاي وايت» ولا يقل عنه في الأداء منافسه في الفيلم «سكوت أدكنز».

حيث إن «وايت» استخدم بذكاء المخرج وكاتب السيناريو مساحات أداء تنسينا الأداء المراهق لسيلفستر ستالون في سلسلته «روكي» أو الأداء الجمبازي لجان كلود فان دام في سلسلة أفلامه عن لعبة الموت والمنافسات اللاشرعية في أعماق آسيا، كما أن المخرج استطاع استخدام محطات السجن وأركانه بانتقالة كاميرا ذكية، دون أن يغفل عن بعض التفاصيل الدقيقة المتعلقة بحكايات بعض السجناء، رغم أن تلك الحكايات بدت واضحة على الوجوه المنهكة للبعض منهم، حيث كان المكان وتلك الوجوه ينطقان بما لم تستطع الحوارات النطق به.

بين الشيوعية والمافيا

يبقى الخلل الوحيد الذي رافق قصة الفيلم من البداية، والذي ربما لم يتغير في المخيلة الهوليودية- الرأسمالية، وهو الصورة البشعة المأخوذة عن روسيا من أيام الحرب الباردة، ولو تم اختيار مكان آخر غيرها لما ظهر هذا الخلل، ففي أفلام سابقة صورها الغرب عن روسيا، ظهرت ما يسمى لدى المشاهد الأميركي ـ الساذج منه والمتأثر بالدعاية الأميركية- الصورة البشعة للحكم الشيوعي أيام الاتحاد السوفييتي السابق، ويبدو أن انهيار الشيوعية عام 1989م وتفكك الاتحاد السوفييتي وغرق روسيا في بحر الرأسمالية القاتم، يبدو أن ذلك كله لم يشفع لروسيا وطبقت عليها سينما هوليوود في هذا الفيلم المقولة الشهيرة «معزة وإن طارت» حيث يظهر في الفيلم بأسلوب لا يبعد عن التشهير بروسيا الحديثة تحت ظل حكم بوتين، سيطرة المافيا الروسية على كل شيء هناك حتى على الحكومة.

وهو أسلوب أحادي النظرة لا يرى أكثر من التسطيح، وهذا الخلل في الفيلم ـ وإن بدا للبعض غير مهم ـ فهو غاية في الأهمية ويثبت نظرية «البحث عن عدو للغرب» وإن لم يوجد فيمكن خلقه، ويبقى السؤال هو: متى ستغير هوليوود وكتابها الذين تدفعهم أيديولوجيات معروفة نظرتهم لما حولهم، سواء لروسيا أو للعرب أو للشرق بصورة عامة؟ وهل أنجبت أميركا موسيقياً ألف مقطوعات السحر التي ألفها «تشايكوفيسكي» أو روائياً استطاع أن ينجز ربع ما أنجزه «ديستوفيسكي» أو أديباً استطاع أن ينافس عظمة «تولستوي» أو «بوشكين» أو «مكسيم غوركي»؟

بعيداً عن قصة الفيلم وما داخلها من نظرة منحازة ضد المجتمع الروسي بأسره، وكأنه ينظر إلى هذا المجتمع بأنه كتلة بشرية تقتات على الدماء التي تسيلها المافيا في أزقة موسكو لتغذي مياه نهر «الفولغا»؛ بعيداً عن ذلك كله، فإن الفيلم بكادره التمثيلي ودرجة تصويره المتقنة وكثافة الحوارات واللغة البصرية التي تعتبر غاية في الجمالية، استطاع أن ينجح فنيا بصورة لا تضاهى.

إضاءة

استطاع المخرج والممثلون أن يقدموا عملاً فنياً بكامل المواصفات التقنية التي لا يمكن نكرانها، واستطاع ابن بروكلين «مايكل جاي وايت» أن يثبت مرة أخرى أنه قادر على أداء الأدوار الصعبة بملامح وحركات تقرب من الواقع، بل إنه أضحى منافساً قوياً لنجم هذا النوع من الأفلام المرتكز على الفنون القتالية ـ نعني به ستيفن سيغال ـ بل إن ملامح «وايت» وأداءه التمثيلي تفوقا على الأخير بدرجة كبيرة.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري