أجمع اقتصاديون عمانيون على أهمية التكامل الاقتصادي بين الدول الخليجية بما في ذلك قيام اتحاد نقدي خليجي في ظل ظهور كيانات وتكتلات اقتصادية عالمية وشروع دول المجلس في الدخول إلى منظمة التجارة العالمية واتفاقيات التجارة الحرة مع كبرى الأسواق العالمية، في الوقت الذي رأى كثيرون أن قرار السلطنة الانسحاب الكامل من مشروع العملة الخليجية الموحدة المقرر اطلاقها في 2010م يرجع إلى رؤيتها بالنسبة للاقتصاد العماني وخططها التنموية التي وضع بعضها قبل بدء المفاوضات لإطلاق عملة خليجية موحدة كالرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني 2020 حيث أن السلطنة رأت في قرارها الانسحاب من مشروع العملة الخليجية الموحدة عدم تطابق بعض المعايير مع سياستها الاقتصادية لاسيما من حيث التضخم والعجز والدين العام.

ورأى عدد من رجال الاعمال والمسؤولين الاقتصاديين في سلطنة عمان أنه من الضروري وجود اتحاد نقدي خليجي مشترك بين كل الاطراف في المنظومة الخليجية بما يعزز التجارة البينية ويعمل على تفعيل الاتحاد الجمركي الخليجي واستكمال الوحدة الاقتصادية الخليجية، في اشارة إلى أهمية وجود السلطنة في مشروع العملة الخليجية نظرا لعلاقاتها التجارية التاريخية الإقليمية والدولية ولكن أيضا ذلك لابد وأن يتفق مع مصالحها القومية ومعايير نمو وتطور الاقتصاد الوطني، ومن المعروف أن السلطنة دوما ما تدعم كل الجهود لتعزيز مسيرة التعاون الخليجي في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فيما توقع البعض أن صناع القرار في دول المجلس سيبدأون في تفاوض جديد لمحاولة إيجاد معايير توافقية تلم دول المجلس الست في مشروع العملة الخليجية الموحدة.

واعتبر رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الشورى يونس بن سبيل البلوشي أن قرار السلطنة الانسحاب الكامل من العملة الخليجية يعتبر قرارا جيدا معززا رؤيته هذه بعدة أسباب منها عدم جاهزية الاقتصاد العماني للدخول في منظومة الاتحاد النقدي الخليجي وفقا للمعايير والبنود المطلوبة والتي ربما لايتوافق تطبيقها مع برامج وخطط الحكومة في الوقت الراهن.

كما أن وجود عملة خليجية موحدة ربما يؤدي إلى إعاقة تنفيذ عدد من البرامج الموضوعة كون أن مسألة التحكم في العملة لن يكون متروكا لتصرف الدولة بل ستكون هناك شروط ووجهات معينة سوف تحد من بعض القرارات خاصة فيما يتعلق بإقامة المشاريع الاستثمارية وتوقيع الاتفاقيات الاقتصادية والتعاون التجاري مع مؤسسات ومنظمات عالمية حيث أن عمان لايزال أمامها برامج وخطط تنموية لم تنته بعد من تنفيذها.

انسحاب السلطنة يخدمها في أمور كثيرة

وقال رجل الاعمال علي بن عبدالله البادي ان وجود السلطنة ضمن الاتحاد النقدي الخليجي مهم بالنسبة لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجارة البينية ولكن ربما السلطنة ترى أن انسحابها من مشروع العملة الخليجية في فوائد للاقتصاد الوطني وقرارها هذا سيخدم التنمية الاقتصادية في كثير من الجوانب وأضاف: نحن كرجال أعمال بحكم ارتباطنا بالاتحاد الجمركي الخليجي والتجارة البينية كنا نأمل أن نكون ضمن منظومة الاتحاد المصرفي الخليجي.

حيث بدونه سوف نتضرر من ناحية تغيير العملة والانفراد بعملتنا العمانية ولكن في نفس الوقت ربما الانسحاب يخدمنا في أمور كثيرة تكون غير منظورة للإنسان العادي حيث يبقى لكل دولة سياستها الاقتصادية بعيدة المدى التي تتوافق مع خططها التنموية، ودعا البادي الاطراف التنفيذية في مشروع العملة الخليجية الموحدة إلى إعادة الحوار من جديد في بعض المعايير وتقريب وجهات النظر وصولا إلى حلول وسطية تتناسب مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية لكل دولة في المجلس والتي من بينها سلطنة عمان.

وتؤكد سيدة الاعمال وعضوة مجلس الشورى لجينة محسن درويش أن قرار الحكومة العمانية بالانسحاب من مشروع العملة الخليجية الموحدة جاء مستندا إلى عدة أهداف ترى فيها السلطنة مصلحة قومية تخدم الاقتصاد العماني في كثير من الجوانب والا لم تكن أعلنت انسحابها من هذا المشروع المهم الذي ينتظره الجميع في دول مجلس التعاون الخليجي، لأنه كما هو معروف عن السلطنة فأنها دوما ما تكون سباقة لدعم القرارات والمشاريع الخليجية التي تصب في مصلحة المواطن الخليجي وتدعم تقدم مسيرة المجلس في كافة جوانبها، ولا شك أن وجود السلطنة مهم في الاتحاد النقدي نظرا لاقتصادها الواعد وعلاقاتها التجارية المتميزة .

وقالت لجينة درويش : نحن نأمل في تحقيق الوحدة الاقتصادية الخليجية والتكامل الخليجي ولكن في نفس الوقت نعتقد أنه من الضروري أن يكون لكل اقتصاد معاييره الخاصة ورؤاه المستقبلية التي ربما لا تتوافق مع الرؤى الاقتصادية والخطط في دولة أخرى.

الشراكة التكاملية مطلوبة

ومن جانبه يشير عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس الشورى علي بن مسلم بن راشد إلى ضرورة مراجعة الأمر بشكل دقيق للوصول إلى الوحدة الخليجية في شأن اطلاق العملة ودراسة المعايير الكفيلة بإصدار هذه العملة الموحدة بين دول مجلس التعاون بما يتوافق مع السياسات الاقتصادية لكل دولة.

حيث من الضروري أن يكون هناك توافق ومن المحبذ أن تصدر العملة الخليجية بشراكة تكاملية بين كل الدول الأعضاء، فمثلا دول الاتحاد الأوروبي كان لديها تباين في فلسفة الاقتصاديات قبل إطلاق اليورو ولكنها اتحدت، ومن المعروف أن سلطنة عمان لها مبادرات في مجال الوحدة ليست فقط على المستوى الإقليمي بينما الدولي أيضا، ولكن يبقى أن للحكومة العمانية توجهات معينة في فلسفتها الاقتصادية التي دفعتها إلى الانسحاب من مشروع العملة الموحدة وهنا يجب إيجاد التوافق في المعايير المطلوب تطبيقها في مشروع العملة بما يخدم الاقتصاد الخليجي بأكمله.

المقارنة مع التجربة الأوروبية

لا يزال الحلم الخليجي بكيان سياسي واقتصادي على غرار الاتحاد الأوروبي يراود الخليجيين رغم العقبات والعثرات التي تحول دون إقامة الكثير من المشروعات الخليجية الكبرى منذ نشأة مجلس التعاون الخليجي أوائل الثمانينات فما زال الطريق للوصول إلى ما وصل إليها الاتحاد الأوروبي طويلا.

غير أن التطورات السياسية والاقتصادية المتسارعة إقليميًّا وعالميًّا تفرض تحديات على دول الخليج تجاه الإسراع في وحدتها السياسية والاقتصادية، وربما استشعرت قمة المنامة الأخيرة التي عقدت في نهاية ديسمبر 2000 ـ حجم هذه التحديات، ورأت أهمية اختصار المراحل الزمنية، خصوصًا بالنسبة للمشاريع الاقتصادية التي تعجل بإقامة السوق الخليجية المشتركة؛ لذلك جاء قرار القمة الخليجية الأخيرة بإجازة مرحلة جديدة بإقامة اتحاد نقدي بين دول المجلس من خلال إقرار الدولار الأميركي كمثبت للعملات الخليجية.

مثبت مشترك للعملات الخليجية أولاً

والحقيقة أن الاتفاق على عملة خليجية موحدة تقود إلى وحدة نقدية خليجية استغرق زمنا طويلا من النقاش الخليجي، كما حدث بالضبط مع التعريفة الجمركية الموحدة التي اتفق على إقرارها في عام 2005 فقد طرح للنقاش منذ عشر سنوات وضع مثبت مشترك بالدولار الأميركي للعملات الخليجية وذلك من خلال لجنة محافظي مؤسسات النقد والبنوك الخليجية، التي تجتمع مرتين في العام أكثر من مرة، ورأت اللجنة أهمية الوصول إلى وحدة نقدية من خلال تقريب السياسات المالية والنقدية بين دول المجلس .

غير أن الخلاف كان ـ و لا يزال ـ يتركز في عدم الاتفاق على آلية لتقريب السياسات النقدية المتباينة مثل سعر الفائدة وسعر الخصم والأسعار المالية المفتوحة، خصوصًا وأنه لا يمكن الوصول إلى عملة موحدة دون توحيد السياسات المالية والمصرفية، وهو الشيء المفقود حتى الآن بين دول المجلس ناهيك عن عدم الوصول أصلا إلى اتحاد جمركي أو سوق مشتركة.

النقطة الثانية أن العملات الخليجية كافة مرتبطة بالدولار باستثناء العملة الكويتية (الدينار) مرتبطة بسلة عملات يشكل الدولار الجانب الأكبر فيها غير أن موافقة الكويت في أغسطس 2000 على اعتماد الدولار كمثبت مشترك للعملة الخليجية أعطى مؤشرا إيجابيًّا يسمح بالبدء في الترتيبات الخاصة بتوحيد العملة الخليجية نحو تحقيق الوحدة الكونفدرالية بين الدول الأعضاء. وتعتبر دول الخليج التجربة الأوروبية نموذجا لتكتل نقدي يمكن الاحتذاء به خصوصا وأنها تمتلك العديد من المقومات المتشابهة مثل تشابه طبيعة الاقتصاديات والموقع الجغرافي بالإضافة إلى وحدة التاريخ والدين واللغة.

وجاء قرار قمة المنامة ببدء المرحلة الأولى من الوحدة النقدية الخليجية باعتماد الدولار كمثبت مشترك للعملات الخليجية خطوة على الطريق نحو الوحدة النقدية حيث تتوقع مصادر اقتصادية خليجية أن يتم إطلاق العملة الموحدة خلال السنوات الخمس المقبلة وبعد أن يكون قد تم التوصل إلى تعريفة جمركية موحدة متوقع إقرارها عام 2003، غير أن هناك شروطًا وقواعد يتعين على السلطات النقدية الخليجية اتخاذها قبل التوصل إلى العملة الموحدة أهمها: وضع جدول زمني مدروس يحدد الخطوات التمهيدية الواجب اتخاذها؛ لتحقيق هدف الوحدة وتهيئة اقتصاديات دول المجلس وزيادة قدرتها على التكيف مع التطورات الاقتصادية الإقليمية والعالمية.

وكذلك تحديد الالتزامات التي يتوجب على كل دولة من الدول الأعضاء الوفاء بها؛ كي تتأهل دول المجلس كافة إلى الاتحاد النقدي، ومن أبرز هذه الالتزامات رسم حد أقصى للتضخم وهامش مشترك لمعدلات الفائدة ونسبة عامة للدين الحكومي من الناتج المحلى الإجمالي، كما يجب إقرار مصرف مركزي ونظام مصرفي ومالي موحدين قبل إصدار العملة الموحدة.

عوائق وفوائد

وفى ضوء التجربة الأوروبية وحسب آراء الاقتصاديين الخليجيين فإن التجربة الخليجية سوف تستغرق وقتًا، لكن ربما يكون أقل من المدة الزمنية التي أخذتها التجربة الأوربية للوصول إلى (اليورو) كعملة أوروبية موحدة، وربما جاء تحفظ سلطنة عمان في الدخول في الوحدة النقدية مماثلا لتحفظ وعدم دخول بريطانيا والدانمارك حتى الآن في الوحدة النقدية الأوروبية حيث تولي سلطنة عمان أهمية لعملتها الوطنية (الريال العماني) وربما أيضا مخاوف من عدم نجاح العملة الخليجية الموحدة في حال إقرارها.

وحاليا تبرز عوائق عدة أمام التوصل إلى اتحاد نقدي خليجي منها: التأخر في تطبيق التعريفة الجمركية الموحدة، وهو أمر مهم، حيث تساهم التعريفة الجمركية الموحدة في تسهيل حركة البضائع بين الدول الأعضاء وتعزيز التجارة البينية؛ حتى تنتقل السلع كما لو أنها في بلد واحد، الأمر الذي سيكون بمثابة الخطوة الأولى لاستكمال إقامة السوق الخليجية المشتركة؛ وبالتالي عملة خليجية موحدة..أيضا لا تزال هناك عوائق في تنقل الخليجيين بين دول المجلس، وإن كانت بعض الدول أقرت التنقل بالبطاقة الشخصية أو الهوية بدلا من جوازات السفر وغيرها كما تقف بعض التشريعات الخليجية عائقا أمام تنقل الاستثمارات الخليجية بين الدول الأعضاء حيث لا تزال قوانين بعض الدول تمنع دخول الخليجيين أسواق المال وتصنفهم على أنهم أجانب، والأمر أيضا ينطبق على تملك العقارات.

ورغم هذه العوائق فإنه يمكن رصد فوائد جمة من جراء إقرار الوحدة النقدية الخليجية منها تنمية المشاريع المستقبلية للدول الأعضاء، ودعم استقرار التبادل التجاري بين دول المجلس وبين العالم الخارجي، وتعزيز القدرة التنافسية للسلع الخارجية في الأسواق الخارجية إلى جانب الاستقرار في أسعار صرف العملة الخليجية؛ مما يشجع على خفض تكاليف المعاملات الخارجية، وتحقيق نوع من الوحدة والتماثل في النظام النقدي الخليجي، وتنظيم عملية عرض النقود الورقية في السوق لضمان سلامة قيمتها، وتشجيع البنوك في منطقة الخليج على تطوير ورفع أدائها على أسس مصرفية رفيعة المستوى، الأمر الذي يزيد من ثقة المواطن الخليجي بقوة البنوك الخليجية، ومن ثم يرفع حجم الودائع المحلية واستخدامها في تمويل المشاريع الضخمة في المنطقة.

تباين في المواقف والآراء

وتتباين وجهات النظر بين المصرفيين والاقتصاديين الخليجيين بشأن الوحدة النقدية فالمؤيدون يرون أن الوقت قد حان لتدشين الوحدة النقدية الخليجية في ضوء التحديات التي تواجه دول المجلس في حين يرى المعارضون أو المتحفظون أن دول المجلس لا تزال مكانها عند منجزات بسيطة، لا تؤهلها للدخول في وحدة نقدية لها تبعاتها، وتستلزم قطع شوط طويل من إقرار خطوات عدة ، حيث يرى البعض أن اعتماد عملة خليجية موحدة له مزايا عديدة ستنعكس بشكل إيجابي على اقتصاد دول الخليج من جهة وعلى مواطني دول المجلس.

حيث ستلغى العملة الموحدة مسألة تبديل العملة عند الانتقال من بلد خليجي إلى آخر مما يعطي حرية أكبر في انتقال الأفراد بين الدول الأعضاء ويشجع التجارة البينية والسياحة بالإضافة إلى أن العملة الموحدة ستجعل من الدول الأعضاء كتلة اقتصادية واحدة لها ثقلها في مواجهة تكتلات اقتصادية عالمية مثل الاتحاد الأوروبي الذي سيجد نفسه مضطرا إلى إعادة النظر في علاقته الاقتصادية مع دول الخليج، بعد أن أصبح لها عملة موحدة.

ومن هنا يتعين على الخليجيين الاستفادة من التجربة الأوروبية في التوصل إلى عملة موحدة (اليورو) ومحاولة تجنب السلبيات التي واجهها اليورو، ذلك أنه من المتوقع أن تواجه العملة الخليجية الموحدة في حال إقرارها عقبات وسلبيات عديدة سوف تحدث، متمثلة في مخاطر العملة وعدم القدرة على المحافظة على قيمتها كما حدث بالفعل مع اليورو.

لكن في المقابل هناك سلبيات سوف تنجم عن استخدام عملة خليجية موحدة أبرزها إلغاء الكيانات الخليجية باعتبارها خصوصية لكل دولة، وربما جاء تحفظ سلطنة عمان على العملة الموحدة ليصب في هذا الاتجاه، حيث ترغب عمان في الحفاظ على خصوصيتها باعتبار أن العملة رمز للثقافة والهوية والعادات والتقاليد، غير أن هناك عوامل مشتركة تربط بين دول الخليج مثل العادات واللغة والدين تجعل إمكانية التوصل إلى عملة موحدة أمرا سهل المنال ويمكن ـ حفاظا على هوية كل دولة- استخدام صور للعملة الموحدة مستوحاة من بيئة الدول الأعضاء كافة.

في المقابل يتحفظ البعض على إقرار عملة خليجية موحدة قبل إقرار عدد من السياسات كما يقول أبرزها: وضع آلية لتقريب السياسات النقدية مثل سعر الفائدة وسعر الخصم والأسعار المالية المفتوحة من أجل الوصول إلى المزيد من التنسيق، وتجنب الهزات الخارجية العنيفة، كما أن التوصل إلى عملة خليجية موحدة يحتاج إلى وقت، فالأوربيون لم يوحدوا عملتهم فجأة أو بسرعة، إنما استغرق ذلك وقتا طويلا تم خلاله وضع معايير وسياسات تم التعامل معها بنجاح حتى تم إقرار العملة الأوروبية الموحدة.

النقطة الثانية أنه لا يمكن التوصل إلى عملة موحدة دون توحيد السياسات المالية والمصرفية بين دول المجلس، فليس من المعقول أن يتم الحديث عن اتحاد نقدي دون أن نكون ـ كما يقول حمدان ـ قد توصلنا إلى اتحاد جمركي أو سوق مشتركة، وليست لدينا معايير فيما يتعلق بمعدلات وأحجام العجز في الموازنات، ومن هنا أقول: إن هناك شوطا طويلا وجوانب عديدة لا بد من التعامل معها مثل الأمور المتعلقة بالدين العام والميزان التجاري والميزان الجاري وغيرها من المعايير المعروفة عالميًّا.

مطلوب المزيد من الدراسة

لا خلاف على أن التوصل إلى اتحاد نقدي خليجي سوف يستغرق وقتا طويلا، فالأمر ليس بالسهولة، ناهيك عن أن دولا بحجم الدول الأوروبية قطعت سنوات حتى وصلت إلى عملتها الموحدة، لكن تظل نقطة البداية هي الأهم، وهو ما فعلته قمة المنامة خصوصا وأن قرارها اتخذ بناء على خطوات عملية قطعتها دول الخليج في التقريب بين سياساتها المالية والنقدية، وهو ما يعتقده محافظ مصرف الإمارات المركزي سلطان السويدي حيث يرى أن مجالات التنسيق والتعاون في مجال السياسة النقدية بين الدول الأعضاء شملت معدلات الصرف والائتمان المصرفي والرقابة والإشراف على الجهاز المصرفي وكذلك أجهزة المقاصة والتدريب، لكن يظل الأمر المتعلق بالعملة الخليجية الموحدة يحتاج إلى المزيد من الدراسة التي تحدد الالتزامات التي يجب على كل دولة الوفاء بها؛ كي يتأهل الجميع للاتحاد النقدي.

والحقيقة أن لجنة محافظي مؤسسات النقد والبنوك المركزية الخليجية - تجتمع مرتين في العام ـ حققت خطوات جيدة يمكن البناء عليها؛ لإقامة الاتحاد النقدي؛ فقد تمكنت اللجنة من تثبيت معدلات الصرف التقاطعية بين عملات خمس من الدول الأعضاء التي لديها معدل صرف ثابت بالدولار الأميركي، وكان تقلب معدل صرف العملة الكويتية (الدينار) مقابل العملات الخمس الأخرى ضيقًا للغاية؛ نظرا لارتباط الدينار الكويتي بسلة عملات يشكل الدولار الأميركي ثقلا كبيرا فيها، وشغل المثبت المشترك حيزا كبيرا من جهد اللجنة وأجريت دراسات عدة في هذا الموضوع.

مزايا في الأسواق الخارجية

كانت قضية عدم توصل الخليجيين إلى عملة موحدة، وكذلك تعريفة جمركية موحدة من المبررات التي يسوقها الأوروبيون دوما في مباحثاتهم مع الجانب الخليجي ضمن الاجتماعات الدورية للحوار الخليجي الأوروبي، وكلما طرح الخليجيون قضية الضرائب التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على البتروكيماويات والصادرات الخليجية من الألومنيوم وضرورة فتح الأسواق الأوروبية أمام المنتجات الخليجية كان الأوروبيون يتعللون بأن دول الخليج لم تتوصل إلى تعريفة جمركية موحدة وكذلك عملة موحدة.

وفى القمة الخليجية الأوربية التي عقدت في أكتوبر 2000 في دبي جدد الأوروبيون دعوتهم إلى توصل الخليجيين إلى عملة وتعريفة جمركية موحدة؛ لذلك يرى المصرفيون والاقتصاديون الخليجيون أن وضع مرحلة للاتحاد النقدي الخليجي سوف يساعد دول المجلس على حسن التفاوض مع الاتحاد الأوروبي الذي يدفع الخليجيين نحو استخدام اليورو بدلا من الدولار في تعاملاتهم التجارية.

كما أنه من شأن العملة الموحدة أن تقلل كثيرًا من تكلفة الواردات سواء من دول الاتحاد الأوربي الذي تمثل واردات دول الخليج منه حوالي 40% من إجمالي الواردات الخليجية في حين تصدر دول الخليج إليه ما نسبته 20 % من إجمالي صادراتها ـ أم من الدول الأخرى حيث ستتمتع العملة الموحدة بميزة قوة الاقتصاديات الخليجية مجتمعة، وهو ما يحسن من موقف المستوردين الخليجيين مع المصدرين في الأسواق الخارجية، كما تساهم العملة الموحدة في جذب الاستثمارات الأجنبية إلى المنطقة حيث ستشكل الدول الأعضاء إقليما استثماريا واحدا تتوفر فيه عوامل جذب متعددة تساهم في اجتذاب المستثمرين الأجانب.

وأيا كانت طبيعة الجدل الدائر حول الوحدة النقدية الخليجية فإن المؤكد أن الأمر يتوقف على مدى جدية دول الخليج، ورغبتها في أن تصبح واحداً يستطيع أن يحدد موقعه بوضوح على خريطة العولمة.

من بين أبرز الملفات المهيمنة في الوقت الراهن على الساحة الاقتصادية مشروع دول مجلس التعاون الخليجي لإقامة وحدة سياسية واقتصادية شبيهة بالاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من أن المشروع ينطوي على جوانب متعددة، لكن يبدو أن أكثرها إثارة للجدل هو الجانب المتعلق بإقامة اتحاد نقدي خليجي. ففي الوقت الحالي، تظل العملات الوطنية لدول مجلس التعاون الخليجي مرتبطة بالدولار الأميركي. وعلى الرغم من أن الدولار «العملة الخضراء» تحظى بقبول واسع في الأوساط التجارية العالمية، فإن عجز الإنفاق في الولايات المتحدة وحالة التضخم دفعت بالعديد من المحللين الاقتصاديين إلى التساؤل عن جدوى خيار ربط العملات الوطنية الخليجية بالدولار، ناهيك عن التوجه نحو إقامة وحدة نقدية في منطقة تتمتع بحيوية اقتصادية ملموسة.

ويشير الدكتور إيكارت فويرتز نائب رئيس مؤسسة «سي. إف. سي» للأوراق المالية، ومقرها دبي، في دراسة مثيرة أصدرها تحت عنوان «دور الذهب في العملة الموحدة لدول مجلس التعاون الخليجي» إلى أن ديون الولايات المتحدة المتراكمة على العقود الأخيرة تصل إلى مستويات يستعصي معها تسديها بشكل فعلي، إذ أن الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم أمام خيارين، إما أن تتخلف عن تسديد ديونها أو تسمح بارتفاع نسبة التضخم إلى حد يصبح معه من غير الممكن تسديدها. وبالتالي، فإن حالة عدم التوازن التي تسود المسرح المالي العالمي وحالة الوهن التي تلازم النمو الاقتصادي في العالم والمعتمدة أساساً على استمرار حالة العجز في حسابات الإنفاق الأميركية من شأنهما أن يتسببا في خلق أزمة خطيرة تؤثر في النظم النقدية خلال السنوات القليلة المقبلة.

وباعتبار أن «الورقة الخضراء» إلى جانب كونها العملة الوحيدة المتداولة في الولايات المتحدة، فهي تمثل أهم عملات الاحتياط والديون الرئيسية والتبادلات التجارية التي تعتمد عليها كثير من دول العالم. من هذا المنطلق فمن غير المتوقع أن تنحسر أي أزمة تصيب الدولار في نطاق جغرافي محدد كما كان الحال بالنسبة للأزمات النقدية التي حدثت في المكسيك وآسيا وروسيا خلال عقد التسعينات. بل من المرجح أن تتفاعل آثار الأزمة خارج الولايات المتحدة لتشمل عملات واقتصادات دولية. وبالتأكيد سيصل صدى أي أزمة تصيب الدولار إلى دول مجلس التعاون الخليجي.

علاوة على ذلك، لابد من الأخذ بعين الاعتبار أن الصادرات غير النفطية لا تزال منخفضة في دول مجلس التعاون الخليجي، وهي تشمل في كثير من الأحيان السلع المستوردة المصنعة التي تشهد أسعارها تصاعداً مطرداً. أمام هذا الواقع، لا يبدو أن الصورة واضحة تماماً عما إذا ما كان حجم الصادرات غير النفطية سيرتفع فعلاً أم لا، وإذا ما كانت تلك الصادرات تمتلك القدرة على موازنة الآثار السلبية الناجمة عن تراجع الدولار.

مسقط ـ علي البادي