عاد المخرج السينمائي العالمي ميلوش فورمان أخيراً إلى العاصمة التشيكية براغ التي درس وترعرع فيها، معلنا عزمه الإقامة هذه المرة فترة أطول في ربوعها، لارتباطه «بعمل فنّي خاص» سيميّزه كثيرا عن أعماله السينمائية العالمية.
وللمخرج التشيكي فورمان علاقة خاصة بمدينة براغ التي شهدت انطلاقته الأولى، فهو برغم غيابه المستمر عنها خلف المحيط، لم يترك مناسبة قيّمة تقام فيها إلا وشارك فيها، خصوصا بعد ما ولّى إلى غير رجعة الحاجز الايديولوجي الذي كان سببا أساسياً في هجرته القسرية عنها قبل سنوات مضت.ويعود فورمان هذه المرة إلى براغ ليلعب دورين معا. الأول هو المشاركة في إطلاق عروض فيلمه الجديد «أشباح غويا» (Goyas Ghosts )، والثاني وهو الأهم، إخراج أوبرا جديدة ستحمل اسم «نزهة مموّلة جيداً» سيتم عرضها على خشبة المسرح الوطني في براغ، الذي يعتبر أرقى المسارح التشيكية على الإطلاق.
الفريد في هذه الأوبرا أنها لن تكون من النوع الكلاسيكي المتعارف عليه، بل ستطغى عليها موسيقى الجاز التي سيشرف عليها المايسترو ليبور بيشيك، وقد يشارك في العزف والإشراف الفني ابنا فورمان اللذان حضرا معه من نيويورك، على أن يتم افتتاحها رسميا في الثاني والعشرين من شهر أبريل المقبل. ولم يخف فورمان سعادته من هذه التجربة الفريدة باعتبار «أن الجميع يضعفون أمام القبة الذهبية، ويتمنون تنظيم أي شيء تحت مظلتها»، مثلما أفاد عند وصوله إلى براغ. والقبة الذهبية هذه ليست أي شيء آخر سوى المسرح الوطني الشهير الذي يعتبره التشيك رمزاً وطنيّتهم الحقيقية، نظراً لما يختزنه من فن وثقافة وآلام كثيرة ارتبطت بعملية بنائه مطلع القرن التاسع عشر.
إن فورمان ليس جديدا بطبيعة الحال في مجال المسرح، لكنه شخصياً يعتبر خوض مجال الأوبرا بهذا الشكل بمثابة العنوان البارز الذي سيميّز عمله الفنّي خلال المرحلة المقبلة. وقد سبق له في نهاية الخمسينات من القرن الماضي أن وضع بعض لمساته على البرنامج المسرحي الأول لمشروع «لاتيرنا ماجيكا» الشهير في براغ (مسرح يجمع في الوقت ذاته بين الخشبة الواقعية حيث يؤدي الممثلون أدوراهم وبين السينما التقليدية) بالتشارك مع أسماء لامعة في المسرح التشيكوسلوفاكي آنذاك من أمثال ألفرد رادوك.
قبل عشرة أعوام حاول فورمان خوض تجربة مماثلة مع المسرح الوطني التشيكي، لكن المشروع الذي قدّمه في تلك الفترة، لم يلق الحماس الكافي من قبل المسؤولين الفنّيين الذين لم تعجبهم طريقته باختزال عمل إبداعي من إنجاز بدرجيخ سميتانا، أحد ألمع الأسماء في عالم الموسيقى الكلاسيكية والأوبرا.
أما في المشروع الحالي، فإن فورمان ومعه المسؤولون الفنيون، يتوقعون أن تكون هذه التجربة ناجحة بامتياز، نظراً لتوفر عدة عوامل أبرزها أن موسيقى الجاز تحظى بقبول واسع بين الجمهور التشيكي، إضافة إلى أن الأدوار الرئيسية ستمنح لبعض أشهر الممثلين التشيك في مجال الاستعراض وغيره من أمثال ييرجي سوخي وييتكا مولافتسوفا وسوزانا ستيفينزوفا وغيرهم..
ولعل أبرز ما يتوافق حوله النقاد، هو أن مجرد ربط هذا العمل باسم ميلوش فورمان صاحب «طيران فوق عش الوقواق» و«أماديوس» و«رجل القمر» والعديد من الأفلام التي حصدت عشرات جوائز الأوسكار وغيرها، سيكون بمثابة الحدث الفني الاستثنائي الذي لن تنساه براغ أبدا.
براغ ـ حسن عزالدين


