أكد مسؤولون مصرفيون ان التوجه نحو رفع رأسمال مصرف الإمارات المركزي إلى مستوى يتناسب مع أهمية المصرف المركزي ودوره في دفع القطاع المالي والمصرفي والاقتصادي بوجه عام إلى الأمام توجه ايجابي ويعد خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح من شانها في حال تنفيذها فعليا ان تساهم في تعزيز وتقوية القطاع المصرفي بالدولة بوجه عام نتيجة تدعيم الوضع المالي للمصرف المركزي.

جاء هذا التأكيد تعليقا على ما انفرد به »البيان الاقتصادي« الأسبوع الماضي من ان الجهات المختصة تدرس اقتراحا لرفع رأسمال المصرف المركزي إلى 10 مليارات درهم تدفعه الحكومة بالكامل مقابل 300 مليون درهم واحتياطيات تبلغ 1.2 مليار درهم حاليا ضمن التعديلات المقترحة على بعض مواد القانون الاتحادي رقم 10 لسنة 1980 في شأن المصرف المركزي والنظام النقدي وتنظيم المهنة المصرفية التي يجري مناقشتها حاليا من قبل الدوائر المختصة في المصرف المركزي والجهات التشريعية والمالية الأخرى بالدولة.

وقال المسؤولون لـ»البيان الاقتصادي« ان رفع رأسمال المصرف المركزي سيؤدى إلى تعزيز مكانة الإمارات إقليمياً وعالميا كمركز مالي واقتصادي رئيسي، مشيرين إلى ان رأس المال الحالي للمصرف المركزي، الذي يبلغ مضافا إليه احتياطيات المصرف المركزي 1.5 مليار درهم،

أصبح لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع مكانة الدولة، ولا يلبى الطموحات المرجوة ولا يساعد هذا الكيان الهام والحيوي على القيام بدوره على النحو المطلوب في ظل المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية المتلاحقة التي تحتاج لكيانات قوية من النواحي المؤسسية والإدارية والمالية على حد سواء.

وطالبوا بالإسراع باتخاذ الخطوات اللازمة للانتهاء من تعديل مواد القانون الاتحادي رقم 10 لسنة 1980 في شان المصرف المركزي والنظام النقدي وتنظيم المهنة المصرفية التي تشمل رفع رأسمال المصرف المركزي بالإضافة إلى تعديلات أخرى تتطلبها المرحلة الراهنة والتحديات المستقبلية.

مطلب ملح

وقال خميس محمد بوهارون الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي ان تعديل القانون الاتحادي الخاص بالمصرف المركزي والنظام النقدي وتنظيم المهنة المصرفية وبالتالي رفع رأسمال المصرف المركزي في هذه المرحلة أصبح مطلبا ملحا وضروريا،

مشيرا إلى ان الوضع الحالي وتشعب النشاط الاقتصادي والتوسع الكبير الذي شهده القطاع المالي والمصرفي حاليا يختلف بصورة كبيرة عن الأوضاع التي كانت سائدة قبل عشر سنوات ويختلف بشكل جذري عن الأوضاع التي كانت سائدة قبل ما يزيد على ربع قرن من الزمان عند صدور القانون الاتحادي لسنة 1980 في شان المصرف المركزي والنظام النقدي وتنظيم المهنة المصرفية،

وبالتالي فانه من غير الممكن للمصرف المركزي ان يغطي متطلباته بالقانون الحالي وبرأسماله الحالي الذي يبلغ مضافا إليه احتياطيات المصرف المركزي 1.5 مليار درهم.

وأضاف بو هارون انه من العوامل المهمة التي تظهر مدى الحاجة إلى زيادة رأسمال المصرف المركزي زيادة رؤوس أموال واحتياطيات العديد من البنوك العاملة في الدولة ووصوله إلى المليارات،

وبالتالي لم يعد منطقيا ان يكون حجم رأسمال احد البنوك التجارية اكبر من رأسمال المصرف المركزي، الذي يقود القطاع المصرفي بأسره ويطبق السياسات المصرفية والنقدية بالدولة، لذلك فان الزيادة المستهدفة في رأسمال المصرف المركزي الغرض منها مواجهة المتطلبات الجديدة والأوضاع الراهنة والمتوقعة مستقبلا.

وأكد ان التوجه نحو زيادة رأسمال المصرف المركزي توجه صائب تماما، مشيرا إلى ان العصر الحالي هو عصر الكيانات العملاقة بشكل عام وأصبح من غير اللائق بمكانة الإمارات ان يكون رأسمال أعلى سلطة نقدية مصرفية بها 300 مليون درهم فقط، معربا عن اعتقاده بان هذه الخطوة طال انتظارها ويجب انتهاج السبل الكفيلة بإدخال هذا المقترح إلى حيز التنفيذ في أسرع وقت ممكن.

خطوة تاريخية

من جانبه وصف محمد نصر عابدين الرئيس التنفيذي لبنك الاتحاد الوطني التوجه الحكومي نحو رفع رأسمال المصرف المركزي إلى 10 مليارات درهم بأنه خطوة تاريخية في الاتجاه الصحيح وان كانت قد تأخرت بعض الشيء ولكن المرحلة الراهنة مناسبة لتنفيذ هذه الخطوة الضرورية.

وأوضح ان هذه الزيادة مطلوبة لمواكبة النمو الكبير الذي شهدته الإمارات على مدى السنوات الماضية في كافة القطاعات الاقتصادية والنمو المتسارع في ميزانيات ورؤوس أموال المصارف العاملة في الدولة، وكذلك النمو الكبير في حجم الناتج المحلي الإجمالي للإمارات،

والذي قدر في عام 2006 بمبلغ 445 ،553 مليار درهم مقابل 812 ،495 مليار درهم «أرقام أولية» لعام 2005 و535 ،386 مليار درهم لعام 2004 حيث تقدر مساهمة القطاع الحكومي والعام بالدولة بحوالي 93.83 مليار درهم،

فيما تقدر مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2006 بحوالي 214.31 مليار درهم، وتقدر مساهمة القطاعات «عدا النفط الخام» في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2006 بحوالي 455 .336 مليار درهم ومن غير المعقول في ظل هذه المؤشرات ان يكون رأسمال مصرف الإمارات المركزي 300 مليون درهم

وهو ما يقل كثيرا عن رؤوس أموال العديد من البنوك التجارية المتوسطة في الدولة او في دول المنطقة مما يجعل رأسمال المصرف المركزي غير لائق بمكانة المصرف داخليا او حتى على الصعيد الخارجي.

وأشار الرئيس التنفيذي لبنك الاتحاد الوطني إلى ان السنوات الخمس الأخيرة شهدت قيام معظم المصارف العاملة في الدولة بتدعيم مركزها المالي سواء بشكل مباشر عن طريق رفع رؤوس أموالها او بشكل غير مباشر عن طريق زيادة حجم احتياطياتها المالية، وآن الأوان ان يتم تدعيم المركز المالي للمصرف المركزي لدولة تمتلك احد أقوى الاقتصادات في المنطقة.

آثار نفسية ومعنوية

وقال محمد الشريف نائب رئيس تنفيذي المالية في بنك دبي الإسلامي انه بالنظر إلى البند 2 من المادة 35 في القانون الاتحادي رقم 10 لسنة 1980 الذي ينص على أن تودع الحكومة لدى المصرف المركزي خلال فترة أقصاها سنتان من تاريخ العمل بهذا القانون وديعة دائمة دون فائدة قدرها ألفا مليون دولار أميركي أو ما يعادل بالعملات الأجنبية الأخرى،

وأن تزاد هذه الوديعة سنويا بمعدل 10 % عما كانت عليه في السنة السابقة حتى تبلغ أربعة آلاف مليون دولار أميركي أو ما يعادلها بالعملات الأجنبية، ويلاحظ أنه لم يتم تطبيق هذا البند .

وأوضح أن ميزانية مصرف الإمارات المركزي التي تتجاوز حاليا 100 مليار درهم تمثل المطلوبات منها95 % وبالتالي فان الزيادة المقترحة في رأسمال المصرف المركزي سوف تعادل في الوقت الحاضر 10 % فقط من إجمالي ميزانية المصرف معربا عن اعتقاده بان هذه الزيادة المقترحة لن تشكل عقبة كبيرة أمام المصرف المركزي من حيث التمويل لكنها ستكون لها آثار نفسية ومعنوية كبيرة على أداء المصرف المركزي وعلى الاقتصاد الوطني بشكل عام .

وأضاف محمد الشريف ان رفع رأسمال المصرف المركزي أصبح ضرورة حتمية حتى يتناسب مع الناتج المحلي الإجمالي الضخم للدولة ومع حجم القطاع المصرفي الذي شهد نموا بمعدلات قياسية خلال السنوات الأخيرة

حيث بلغ حجم الميزانية المجمعة للمصارف التجارية العاملة في الدولة 734.7 مليار درهم في نهاية الربع الثالث من عام 2006 وبلغت الاستثمارات المحلية 25.17 مليار درهم وتجاوز حجم الأموال المخصصة لرأس المال والاحتياطات نحو 97 مليار درهم و13 مليار درهم من إجمالي الموجودات- الخصوم الموحدة.

وأشار إلى أنه يتوقع أن تقوم الحكومة بسداد الزيادة في رأسمال المصرف المركزي عن طريق تحويل الوديعة الدائمة لدى المصرف إلى حساب رأس المال مما سيمكن المصرف المركزي من تغطية متطلباته خصوصا في ظل زيادة رؤوس أموال واحتياطيات العديد من البنوك العاملة في الدولة وسيكون قادرا على مواجهة المتطلبات الجديدة وأية مخاطر محتملة.

التعديلات الأخرى

أما احمد الشال، رئيس الشؤون المالية ببنك دبي، فيرى ان التعديلات المقترحة الأخرى مهمة للغاية، والتي تشمل إجراء تعديل على المادة السابعة من القانون الحالي لينص على ان يرحل 30% من الأرباح الصافية للمصرف المركزي إلى حساب الاحتياطي العام

حتى يبلغ ما يساوي رأس المال المدفوع في حين أن النص الحالي لهذا البند ينص على ان يرحل صافي الأرباح إلى حساب الاحتياطي العام حتى يبلغ أربعة أضعاف رأس المال، وكذلك تعديل المادة 52 من القانون الحالي في شان المصرف المركزي والنظام النقدي

وتنظيم المهنة المصرفية بحيث تنص على ان الأرباح أو الخسائر التي يحققها المصرف المركزي في نهاية السنة المالية نتيجة إعادة تقييم موجوداته ومطلوباته والأرباح الناجمة عن سحب أوراق النقد والمسكوكات التي يتم التعامل معها في حساب الإرباح أو الخسائر وفقا لأسس »معايير المحاسبة الدولية«.

وأوضح ان هذا التعديل مهم للغاية ففي ظل قيام معظم الشركات والبنوك في الدولة والمنطقة بصفة عامة بتطبيق معايير المحاسبة الدولية أصبح المصرف المركزي مدعوا لتطبيق هذه المعايير، مشيرا إلى ان حساب الأرباح »أو الخسائر« يعكس الموقف الحقيقي للربحية »أو الخسارة« أما الخسائر غير المحققة فيمكن معالجتها بوضع المخصصات لها وفقا لأسس معايير المحاسبة الدولية.

وأكد ان عدد البنوك العاملة بالدولة ارتفع حاليا بنسبة كبيرة جدا مقارنة بعددها قبل ربع قرن عند صدور القانون الاتحادي رقم 10 لسنة 1980 كما انه متوقع ان يرتفع عدد البنوك بصورة اكبر خلال المرحلة المقبلة مما يتطلب زيادة رأسمال المصرف المركزي وتعديل القانون المصرفي بما يتناسب مع هذا النمو المتسارع.

مواكبة الاتجاهات العالمية

وأشار مصدر مصرفي فضل عدم ذكر اسمه إلى ان العديد من المصارف المركزية بالمنطقة أقدمت على خطوة رفع رأسمالها بمعدلات كبيرة حيث عدلت بالفعل قوانينها خلال الشهور الماضية، وشملت التعديلات الأمور المتعلقة بأنشطة المؤسسات المالية وشركات الصرافة والاستثمار والتمويل بما يتواكب مع الحركة الاقتصادية النشطة في كافة دول المنطقة.

وأوضح المصدر ان هذا الاتجاه العام في معظم دول المنطقة ضمن عمليات الإصلاح المصرفي والمالي والتركيز على دور البنوك المركزية في هذا الإصلاح وتطوير الجهاز المصرفي والقطاع المالي بتقوية الأوضاع المالية للمصارف المركزية

والبنوك التجارية من خلال استيفاء المعايير الدولية ذات الصلة مثل معايير كفاية رأس المال وإدارة المخاطر وحسن التنظيم والإدارة وتطبيق قواعد ومعايير المحاسبة الدولية والسعي لابتكار منتجات مالية وخدمات مصرفية جديدة ومواكبة الاتجاهات العالمية في هذا الشأن .

وأكد ان هذه الخطوات تأتى لمواجهة التحديات التي تواجهها الصناعة المصرفية الحديثة مثل تحرير التجارة الدولية وحرية حركة رؤوس الأموال والتقدم التكنولوجي وإلغاء الحواجز في الوقت والمسافات في ظل نشوء الشركات متعددة الجنسيات والتكتلات الكبرى الاقتصادية الإقليمية والدولية والدور المهم الذي تلعبه المصارف المركزية في تنظيم القطاع المصرفي وعلاقته مع المصارف الأخرى العاملة في كل بلد خصوصا في مجالات الرقابة والتدقيق.

وذكر ان التوجه نحو تعديل مواد القانون الاتحادي رقم 10 لسنة 1980 في شان المصرف المركزي والنظام النقدي وتنظيم المهنة المصرفية يأتي في إطار الخطط الإستراتيجية التي تتبناها الدولة لتطوير القطاع المصرفي ودفعه إلى الأمام بما يتواكب مع أفضل التشريعات العالمية للبنوك المركزية ويحافظ على المكانة المتميزة التي تتبوأها الإمارات كمركز مالي محوري في المنطقة،

مشيرا إلى انه من الواضح ان الغرض من هذه التعديلات تحقيق عدد من الأهداف منها تغطية العديد من المتطلبات القانونية اللازمة لتعزيز دور المصرف المركزي كجهاز رقابي على كافة مؤسسات القطاع المالي وتهيئة كافة الظروف التي تعزز مكانة الدولة الاستثمارية وتدعم توجهاتها الاقتصادية لبلوغ الغايات والسقوف المرتفعة من الطموحات.

تحقيق: عبد الفتاح منتصر