يشير تقرير اقتصادي عربي إلى أن حجم تحويلات العاملين العرب من دول مجلس التعاون الخليجي إلى الدول العربية الأخرى يزيد عن ضعف مجموع المساعدات الإنمائية والعمليات التمويلية العربية, الأمر الذي يبرز أهمية تحويلات العاملين بين الدول العربية كأحد المداخل الأساسية لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي.
ويؤكد التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2006 انه على الرغم من ان انتقال العاملين بين الدول العربية كان ولا يزال تحكمه قوى السوق وسياسات الهجرة وتوطين الوظائف في الدول العربية المستضيفة للعمالة الأجنبية، الا ان التعاون الاقتصادي العربي يمكن ان يلعب دورا فاعلا في تحرير الانتقال المؤقت للعاملين بين الدول العربية.
ذلك ان الانتقال المؤقت للعاملين المهنيين وذوي المهارات يشكل الوسيلة الرابعة لتوريد الخدمات التجارية المنصوص عليها في الاتفاقية العامة لتجارة الخدمات »الجاتس«، والتي تتفاوض الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية حاليا بشأن توسيع مجالات تحريرها، وذلك في إطار مفاوضات جولة الدوحة،
حيث انه وعلى الرغم من أهمية مشاركة الدول العربية في مفاوضات هذه الجولة، الا ان العمل على تحرير حركة انتقال العاملين المهنيين بين الدول العربية في إطار الاتفاق على برنامج تنفيذي سيسهم في تفعيل حركة انتقال العمالة العربية.
ويوضح أن من ابرز فوائد البرنامج التنفيذي المقترح لاستقبال العمالة العربية المؤقتة، انه سيوفر ظروف عمل أكثر رعاية للعامل العربي وبالتالي سيدعم قدراته التنافسية في أسواق العمل في الدول العربية، بما سيجعلها منفتحة على بعضها البعض،
وبالتالي سيعزز التعاون بين الدول المصدرة والدول المستقبلة للعمالة في إدارة تنقل العمالة المؤقتة في إطار ضوابط ونظم مقبولة من قبل الدول المشاركة في البرنامج المقترح. كما من شأن ذلك كله ان يؤدي إلى توسيع فرص التشغيل في الاقتصادات العربية ورفع مستوى معيشة القوى العاملة العربية.
ويؤكد التقرير ان التعاون العربي من اجل تحرير انتقال العاملين المهنيين في إطار برنامج تنفيذي تتفق الدول العربية عليه سيعزز الانجازات التي حققتها منظمة التجارة الحرة العربية في مجال تحرير التجارة السلعية البينية،
وتؤكد الزيادات الملحوظة التي تشهدها حاليا التدفقات الاستثمارية المباشرة بين الدول العربية. ومن شأن ذلك أيضا ان يؤدي إلى تسريع مسيرة التكامل الاقتصادي العربي الذي أصبح امرا حيويا لتعظيم استفادة الاقتصادات العربية من اندماجها في الاقتصاد العالمي والذي من ابرز سماته التكامل المتسارع للأسواق الدولية من خلال إقامة التكتلات الاقتصادية الإقليمية الكبيرة.
ويورد التقرير الذي تعده الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ومنظمة »الاوابك« والصندوق الاقتصادي والاجتماعي العربي وصندوق النقد العربي عددا من التحديات التي تواجه اقتصادات الدول المستقبلة والمرسلة لتحويلات العاملين
حيث يشير بالنسبة للدول المستقبلة للتحويلات إلى ان التحدي الأول يتمثل في إعادة توجيه تحويلات العاملين التي تتم عبر القنوات غير المنظمة إلى القنوات الرسمية وذلك من خلال التوصل إلى تخفيض تكاليف تحويل الأموال والتي على الرغم من انخفاضها عام 2000 إلا انها لا تزال مرتفعة وتعزي أهمية هذا التحدي لكون نسبة عالية من تحويلات العاملين تتم حاليا خارج القنوات الرسمية،
كما سبقت الإشارة اليه، الأمر الذي يضعف الآثار الايجابية لتحويلات العاملين على القطاع المصرفي، وعلى الإيرادات الضريبية من خلال توسيع القاعدة الضريبية في الدول المستقبلة للتحويلات، ولتوجيه المزيد من التحويلات عبر القنوات غير الرسمية نحو القنوات الرسمية، من المفيد أن تعمل الدول المستقبلة للتحويلات على تحسين البيئة الاستثمارية فيها بشكل عام،
وتطوير البنية التحتية للخدمات المصرفية كزيادة الانتشار المصرفي، وتطوير شبكة الصرف الآلي، مما سيساعد على خفض تكاليف عملية تحويل الأموال وتسريع تسليمها للمرسل له.
اما التحدي الآخر، فيتمثل في أن تحويلات العاملين من الممكن أن تؤثر سلبا على حافز العمل بالنسبة للأسر المستقبلة لها وبالتالي التأثير على معدلات النمو الاقتصادي فيها.
ومن الممكن تخفيف ذلك الأثر السلبي بتوعية الأسر المستقبلة للتحويلات بأساليب توظيف الموارد المالية المتاحة لها. ويشار في هذا السياق، وعلى سبيل المثال، إلى أهمية انشاء مؤسسات خاصة للتمويل الجزئي، في الدول المستقبلة للتحويلات،
والتي يمكنها استقطاب التحويلات واستثمارها وتوفير حد أدنى منها ومن عوائد الاستثمارات بشكل منتظم للأسر المستلمة لتحويلات العاملين في الخارج، كما يمكن لهذه المؤسسات أيضا الدخول في شراكات مع تلك الأسر في مشروعات صغيرة تثمر ليس فقط بالأرباح النقدية، ولكن أيضا بإدماج تلك الأسر في سوق العمل بشكل تدريجي ومنتظم.
كما يمكن أيضا أن تواجه الدول المستقبلة للتحويلات والتي تتجه نحو توريق تحويلات العاملين مخاطر من جراء أن هذا النوع من الدين يتسم عادة بدرجة عالية من عدم المرونة، مما يحد من قدرة هذه الدول على التوفيق بين الالتزامات المستحقة عليها من قبل مختلف الدائنين وإدارة تلك الالتزامات بأسلوب كفء.
كما يمكن أيضا أن تواجه الدول المستقبلة للتحويلات مخاطر تتعلق بارتفاع التكاليف التي تتحملها الجهات المصدرة لسندات الدين من جراء تراجع قيمة العملة الوطنية أو ارتفاع أسعار الفائدة، مما يحد من قدرة تلك الجهات على الاستمرار في توفير خدمة توريق التحويلات.
ويمكن للدول المستقبلة للتحويلات تذليل هذه العقبات من خلال وضع الحوافز الملائمة لتوريق تحويلات العاملين، مثل إبرام الاتفاقيات مع الجهات الدولية المعنية بتوريق تحويلات العاملين لضمان تقاسم أعباء هذه المخاطر بشكل عادل بين الدول المستقبلة للتحويلات وتلك الجهات.
أما بالنسبة للدول المرسلة للتحويلات، فيتمثل التحدي الأول في تخفيض حجم تحويلات العاملين المرسلة إلى الخارج وذلك من دون أن يؤثر على وتيرة النمو الاقتصادي وحاجات الاقتصاد إلى مختلف أنواع المهن والمهارات، الأمر الذي يتطلب تفعيل السياسات الاقتصادية المتعلقة بزيادة كفاءة سوق العمالة في جانبي العرض والطلب بما يؤدي إلى تخفيض حجم التحويلات المرتبطة بالعمالة الوافدة.
إلا أن ذلك يتطلب وقتا طويلا لكي تتوصل سياسات إصلاح سوق العمل إلى تحقيق التوازن المنشود بين العمالة الوطنية التي يتعين توظيفها و العمالة الوافدة المنتجة والتي يحتاجها الاقتصاد.
وفي الأجلين القصير والمتوسط فإنه يفضل الاستثمار في تشجيع العمالة الوافدة على تخفيض حجم تحويلاتها المرسلة إلى الخارج والاحتفاظ بها في الدول التي تقيم فيها هذه العمالة، وذلك من خلال توسيع المجالات المتاحة أمام هذه العمالة في استثمار مدخراتها في هذه الدول.
ويذكر في هذا الصدد وعلى سبيل المثال، الجهود التي بذلتها بعض دول الخليج العربية خلال السنوات الأخيرة للسماح للعمالة الوافدة بالاستثمار في أسواق الأوراق المالية. غير أن التشريعات والضوابط المتعلقة بالسماح للعمالة الوافدة الاستثمار في الدول المرسلة للتحويلات، يتعين أن تكون واضحة وشفافة في معظم الأنشطة الاقتصادية المتاحة للاستثمار فيها، وان يتم تقليل الشروط والضوابط التي تحد من فرص الاستثمار للعمالة الوافدة.
ويتمثل التحدي الآخر في تقليص كلفة تحويل الأموال المرسلة، ذلك أن الكلفة المرتفعة لتحويلات العمالة المرسلة إلى الخارج تؤدي إلى لجوء العمالة الوافدة إلى إرسال مدخراتها إلى الخارج عن طريق القنوات غير المنظمة من خلال نقلها بصورة نقدية سائلة مع المعارف والأقارب إلى الخارج.
وقد يتعين في هذا الإطار أن تقوم السلطات النقدية في الدول المرسلة للتحويلات المطلوبة بتشجيع العمالة الوافدة على إرسال تحويلاتها عبر القنوات المنظمة من خلال اتخاذ الإجراءات المشار إليها بالنسبة للدول المستقبلة.
وبالنسبة للدول المستقبلة لتحويلات العاملين، يشكل منح الإعفاءات الضريبية والامتيازات والمعاملة التفضيلية أكثر السياسات شيوعا لدى هذه الدول لاجتذاب التحويلات. وعلى الرغم من أن الإعفاءات والحوافز تؤدي إلى زيادة التحويلات النقدية والعينية (في شكل السماح بإدخال سلع معفاة من الجمارك عند عودة العمالة الوافدة)،
الا ان مثل هذه السياسات تشجع، في المقابل، على التهرب الضريبي وتوجيه موارد العاملين بالخارج نحو استخدامات أقل إنتاجية. وفي جانب السياسات الداعمة لتعظيم الاستفادة من الفرص الاستثمارية في الدول المستقبلة للتحويلات بشكل عام، فإنها تشمل توحيد وتحرير أسعار الصرف وتحرير الخدمات المصرفية والمالية والسماح لفروع البنوك المحلية من الدول المستقبلة للتحويلات بالتواجد في أسواق الدول المرسلة للتحويلات،
وعلى وجه الخصوص تلك التي تستضيف إعدادا كبيرة من عمالة الدولة المعنية. ويتوقع أن تؤدي هذه السياسات مجتمعة إلى تخفيض تكلفة تحويل الأموال وتسريع عملية التحويل، وتوجيه التحويلات التي تتم عبر القنوات غير الرسمية نحو القنوات الرسمية.
كما أن من شأن تطوير خدمات القطاع المصرفي في الدول المستقبلة للتحويلات، أن يعزز من قدرة ومرونة العاملين في الخارج في إدارة مدخراتهم من خلال فتح حسابات وودائع بالعملات الأجنبية والوطنية في دولهم الأصل وفي دول الإقامة،
مما يسمح لهم بتوجيهها بسهولة نحو دعم واستهلاك أسرهم والاستفادة من موارد القطاع المالي والمصرفي من خلال تسهيل عمليات الاقتراض في كلا الدولتين (المرسلة والمستقبلة للتحويلات) بما يؤدي إلى توسيع فرص الاستثمار وتعظيم الآثار الايجابية لتحويلات العاملين في تنمية وتطوير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الدول المستقبلة للتحويلات.
أما بالنسبة للدول المرسلة لتحويلات العاملين، فإن تطوير الإطار القانوني لتعزيز المنافسة بين مقدمي خدمات تحويل الأموال من شأنه أن يؤدي إلى تخفيض التكاليف وتحسين مستوى خدمات التحويلات ويساعد في خلق ظروف تشجيعية للقنوات الرسمية للتحويلات تمكنه من أن تكون تنافسية في مقابلة قنوات التحويلات غير الرسمية أو غير المنظمة.
وبالنسبة للسياسات التي تستهدف معظم مساهمة العمالة الوافدة في اقتصادات الدول المرسلة للتحويلات، فإن تطوير وتحديد الإطار القانوني بما يسمح للعمالة الوافدة بالاستثمار في شتى المجالات الاقتصادية ومنها حق التملك، من شأنه أن يعزز الاقتصاد
ويسهم في استقرار أسواق المال في الدول المرسلة للتحويلات. غير أن تعظيم مساهمة العمالة الوافدة في الاقتصاد يتأثر كثيرا بسياسات الهجرة وتوطين الوظائف التي تتبعها الدول المرسلة للتحويلات.
ففي حالة دول الخليج العربية، على سبيل المثال، فقد تبنت سياسات توطين الوظائف التي تهدف إلى إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة، وتتخذ أشكالا متنوعة مثل استخدام العمالة الوافدة لممارسة أنشطة محددة، فعلى سبيل المثال،
قامت الإمارات بتحديد نسب لتوطين وظائف تزداد حصتها سنويا في قطاع المصارف التجارية، كما قامت السعودية بتحديد نحو 34 مهنة لا يمكن شغرها من قبل العمالة الوافدة، ويجري التخطيط لإضافة 22 مهنة أخرى إلى هذه المجموعة.
وتواجه سياسات التوطين عددا من التحديات يتمثل بعضها في مدى ترابطها مع سياسة التعليم ونجاحها في توفير كوادر مواطنة مؤهلة لإحلالها محل العمالة الوافدة، خصوصا في التخصصات عالية التقنية، كذلك فإن نسبة كبيرة من وظائف العمالة الوافدة تعتبر وظائف غير ماهرة ورواتبها متدنية وبالتالي لن تكون جاذبة للعمالة المواطنة.
وفي النهاية، فإن نجاح سياسة توطين الوظائف في الإسهام في حل مشكلة البطالة في دول الخليج العربية يبقى مرتبطا بمدى الحفاظ على التوازن والاستقرار في سوق العمل وعلى القدرة التنافسية لهذه الدول على المستوى العالمي.
يبين تقرير البنك الدولي الآفاق الاقتصادية العالمية عام 2006، أن كلفة تحويل مبلغ 200 دولار من السعودية إلى باكستان تصل إلى 3.6 في المئة عبر مكاتب الصرافة و0.4 في المئة فقط من خلال المصارف. اما تحويل نفس المبلغ من الإمارات إلى الهند فيبلغ حوالي 5.5 في المئة (من اصل المبلغ) عبر مكاتب الصرافة و5.2 في المئة من خلال المصارف وما بين 1 إلى 2 في المئة باستخدام الحوالة، غير أن نسبة رسوم التحويل تنخفض بشكل كبير مع ارتفاع المبالغ المحولة.
أبوظبي ـــ أحمد محسن:
