لم تكن الحياة في يوم ما منقطعة عن بعضها، ولو تأملنا تفاصيل الكون لوجدناه وحدة متكاملة تتصل فيما بينها بجزئيات غاية في الدقة والنظام والإنتظام والعبقرية، أيضاً لو تأملنا الإنسان والحيوان والنبات ورصدنا العلاقة التي تجمع هذا المثلث المركب لوجدنا سلسلة من العلاقات تبدأ ولا تنتهي ما كان منها ظاهراً وما كان منها مخفياً.

النباتات في هذا المثلث هي الأكثر غموضاً في مكوناتها السرية والأسطورية، والعلم الذي نشأ باسم علم نفس النبات ظل هو الآخر علماً مجهولاً ونجهل كثيراً ما توصل إليه من نتائج في الحياة الاجتماعية النباتية العريضة؛ وهنا لابد من التذكير بأن عالَم النبات السري استهوى العلماء منذ العصر القديم حينما كان يستخدم في مكونات السحر والتطبيب وقد برع في استخدامه البابليون والفراعنة والهنود وكهنة الأزتيك وشعوب الغابات البدائية؛ فالنباتات على أشكالها وألوانها وأنواعها هي عالَم اجتماعي متكامل شديد الخصوصية في مستعمراته، غزير الأسرار، غريب في مكوناته وعلاقاته الفردية والجماعية، كما هو غريب في علاقاته مع الإنسان والحيوان.

ويذكر عالم النبات باكستير أن النباتات تقرأ أفكارنا وأن لها حاسة سادسة مع أنها لا تملك بقية الحواس!! كما يذكر العالم جان بليت أن للنباتات ذاكرة حية قادرة على تمييز الأشخاص ! ويبدو أن هذين العالمين على تماس مباشر مع الطبيعة في تجلياتها المختلفة، لذا عدّوا علاقتنا نحن البشر بالنبات علاقة فريدة من نوعها، خاصة إذا عرفنا بشكل من الأشكال أن هناك نباتات تصلي! وأخرى تبكي ! وثالثة تصرخ! وغيرها تتذكر! ومثلها تسمّم وتسحر وتخنق وتفترس!

من هذه الحصيلة سنجد أن هناك نباتات سيئة السمعة بامتياز! وقد اكتسبت هذه السمعة الطائشة من جملة أفعال يومية مرصودة على مدار بحوث وتجارب مكثفة، فثمة أشجار تأكل البشر في مدغشقر كما يؤكد العالم الألماني كارل ليتشه الذي رأى فتاة تفترسها هذه الأشجار بعدما أطبقت عليها وخدرتها بسائل من ثمرتها!

ويكفي لنبتة (إبرة الراعي الدموية) اسمها ليشير إلى دمويتها، أما (المفرقعة) الأفريقية فهي تفرقع عند الغروب فقط مع أنها لا تؤذي كثيراً، على أن ( القامعة) نباتات تسمم بعضها كنوع التحدي لأجل البقاء، بينما (الخانقة) الأفريقية تخنق الطيور والحشرات و(القارتة) تأكل كل شيء يتقاطع مع نموها ووجودها، أما (العصبية).

فهي التي تثور من اللمس وتتنرفز كثيراً وتبث إشاراتها بالموجات الصوتية، لكن ( القاذفة) تقذف مادتها لخمسة أمتار تعبيراً عن حنقها وتوترها أو لتلقيح بعضها أو لإبعاد عدو محتمل، فيما تقوم (المدفعية) بإلقاء سمومها إلى كل الاتجاهات .(المتوحشة) لها اسم مرعب فهي القادرة على اقتناص الحشرات والهوام كمادة لغذائها، و(السجّانة) تحبس طرائدها بين فلقتيها، على أن (الساحرة) التي تشبه الأفعى مزودة بكلاّبات رفيعة للقتل والاصطياد.

في حين تحتفظ (القاتلة) بسمتها الأساسية في القتل، أما (الكريهة) فمهمتها إفراز مادة شمعية ذات رائحة كريهة لشل أعدائها، وتبقى (البربرية) اسماً على مسمى، على أن (النافخة) ترقى على غيرها بطريقة النفخ لقتل أعدائها من الحشرات والهوام؛ وهكذا (الفتّاكة) و(آكلة الهوام) وغيرها من التسميات والمسميات التي تطبع نوعاً من النباتات تتكاثر في الطبيعة وتدافع عن وجودها بأية طريقة، تلك النباتات التي يطلقون عليها: نباتات سيئة السمعة. الأمر الذي حدا بالقس برنارد أن يقول:

تعلمتُ من الأشجار ما لم أتعلمه من الكتب!