كثيرة هي الكتب والدراسات التي تناولت قضية التغيير الإداري وما ينتج عنها من سلبيات وعداوات، وتسمى ردة فعل الأشخاص الذين يرفضون مبدأ التغيير في واقعهم الوظيفي أو الاجتماعي أو السياسي بالمقاومين السلبيين، وهي باجماع جهابذة علماء النفس والاجتماع جزء من السلوك الانساني الذي يركن إلى التقليد والاستقرار والسكون ويكره أن يكدر أي عامل خارجي صفو انجازاته أو يهدد امكانية استمراريته في تلك الحالة الشعورية الوهمية التي قد يظن صاحبها أنها الوضع المثالي.

إلا أن أنصار نظرية التغيير الإداري يرون في الرافضين للتغيير مجرد كائنات غير قادرة على التأقلم مع تطور المفاهيم الإدارية الحديثة ولا الاندماج مع التطورات التقنية التي يفرضها عصر العولمة، وأن ما يغذي حالة العداء لديهم لا يتجاوز كونه شعورا غير واعٍ بالعجز عن التطور، أو أنهم مرتبطون بمصلحة نفعية مباشرة تحتم عليهم رفض التغيير الذي قد يقلب طاولة المصالح فوق رؤوسهم.

ويمكننا تلخيص أسباب مقاومة التغيير في نقاط عديدة، الا أنه من المهم تفهم أسباب المقاومة حتى يمكن التعامل معها لتكون مدخلاً مهماً للقضاء على المقاومة أو ترويضها. وإن كان يصعب تحديد جميع الأسباب إلا أنه بالإمكان الإشارة إلى أهمها:

1 ــ التمسك بالعادات والتقاليد والصور النمطية الموروثة عبر الاجيال، فمجتمعنا العربي الذكوري يرفض أن يكون موقع المسؤولية بيد أنثى، لأنها ضلع قاصر وضعيف وغير قادر على الابداع، كما أن التراتبية العمرية في داخل مجتمع الذكور تفرض أن يكون الأكبر سنا هو القائد المطاع وأن الاصغر سنا هو بالضرورة الاقل خبرة وعلما.

2 ــ الخوف على المصالح المادية أو المعنوية، والتوهم بأن التغيير سيكون سبباً في فقد بعض الامتيازات أو المكاسب.

3 ــ عدم المشاركة في إعداد وتنضيج المشروع التغييري، إذ إن المشاركة في إعداد التغيير حافز للتمسك به والدفاع عنه، والعكس صحيح.

4 ــ الخوف من تأثير التغيير على العلاقات الشخصية مع من يقع عليهم التغيير، فمثلاً قد يرفض الرئيس تغيير وظيفة أحد مرؤوسيه خوفاً من أن يتسبب ذلك التغيير في تعكير صفو العلاقة بينهما.

5 ــ التغيير قد ينطوي أحياناً على مخاطر حقيقية وواضحة، لاسيما تلك المخاطر التي تمس قيم الفرد ومبادئه ومعتقداته.

6 ــ عدم الاقتناع بالتغيير المراد إجراؤه أو ببعض جوانبه.

7 ــ عدم وجود مبررات وجيهة أو حجج كافية للتغيير المراد اتخاذه.

8 ــ عدم وضوح صورة التغيير أو الجهل بحقيقته وأهدافه وإجراءاته وجوانبه الأخرى.

9 ــ معارضة الرؤساء وأصحاب النفوذ لهذا التغيير.

10 ــ التبعية والتقليد الأعمى للآخرين.

11 ــ التكاليف البشرية والمادية الباهظة للتغيير.

12 ــ الخوف من عدم القدرة على التكيف مع متطلبات هذا التغيير، فقد يحتاج التغيير إلى مهارات معينة أو خبرات محددة أو قدرات متميزة لا تتوفر عند بعض الأفراد.

13 ــ الارتياح مع الواقع الحالي والاقتناع به.

14 ــ اليأس والإحباط وربما الملل من كثرة التجارب التغييرية الفاشلة.

15 ــ العناد.

16 ــ سوء العلاقة مع المغير.

17 ــ تنافس الأقران

18 ــ حب الصدارة والزعامة.

19 ــ لأن المقاوم من »الحرس الثوري القديم«، حيث يعتبر نفسه أحد مهندسي الواقع الحالي، ويعتبر أي تغيير هو اعتداء شخصي على ذاته.

20 ــ قلة العقل والحماقة والسفه.

وسائل المقاومة

إن الذين يقاومون التغيير يلجأون لطرق ماكرة، ويعتذرون بعبارات وحجج معروفة مسبقاً يمكن تلخيصها بالتالي:

1 ــ لا توجد أهداف واضحة لهذا التغيير.

2 ــ هذا التغيير يخدم مصالح شخصية.

3 ــ لا نملك الطاقات البشرية والمادية اللازمة للتغيير.

4 ــ هذا التغيير سيخرب عملنا، فلا نحن قد حافظنا على إنجازاتنا ولا نحن حققنا شيئاً في المستقبل.

5 ــ هذا التغيير مثالي وغير واقعي.

6 ــ هذا التغيير جيد ولكن وقته ليس الآن، أو نحن بحاجة إلى وقت لدراسة هذا التغيير وتحقيقه.

7 ــ هذا التغيير سيحدث بلبلة لدى العاملين.

8 ــ هذا التغيير مخالف للمبادئ أو الأصول التي قمنا عليها.

9 ــ إن الذين يقودون التغيير مشكوك فيهم وبمعنى آخر القيام بمهاجمة قادة بدلاً من مهاجمة التغيير ذاته.

10 ــ دعونا نجرب هذا التغيير على نطاق ضيق فإن نجح عممناه.

11 ــ هذا التغيير فيه استخفاف بالإنجازات والقيادات السابقة.

12 ــ هذا التغيير لم يجرب في مكان آخر، أو جرب وفشل. وإن كان قد نجح فيتم التركيز على الفرق بين واقعنا والواقع الآخر.

13 ــ إن المقصود من هذا التغيير هو التخلص من بعض القيادات السابقة.

14 ــ أنتم تريدون التجريب،ونحن لسنا محطة تجارب.

15 ــ دعونا ندرس الأمر من جديد، ثم دعونا نتشاور.

16 ــ لنؤجل الأمر حتى الدورة أو السنة القادمة.

17 ــ استعمال أساليب أقل نظافة (الكذب، النميمة، الإشاعات.. إلخ).

18 ــ اللجوء للإضرابات أو القرارات المقيدة أو نشر البلبلة.

19 ــ الانقلابات أو العزل.

20 ــ التهديد بالاستقالات الجماعية.

أنماط المقاومين الخمسة عشر

يحسن بالمغير أن يتعرف على أنماط المقاومين وأساليب تعاملهم مع التغيير حتى لا يخدع من قبلهم، وهم خمسة عشر نمطاً كما يلي:

1 ــ المتجارب:

وهو الذي يدعي أن عنده تجربة وخبرة طويلة، وأن تجربته أثبتت فشل هذه الفكرة التغييرية.

2 ــ المتسائل:

وهو الذي يوجه الأسئلة الكثيرة بطريقة ملتوية خبيثة، مع التركيز على الأسئلة التي تتناول أموراً هامشية جزئية، حتى يبين فشل المشروع التغييري.

3 ــ المتسلق:

وهو الذي يحاول التسلق إلى القيادات العليا والوصول إلى متخذي القرار، ثم يقيم معهم العلاقات الاجتماعية المتميزة، وعندها يستغل هذه المكانة والحظوة في التآمر على الفكرة التغييرية ومقاومتها،وذلك عن طريق إقناع القيادات العليا بعدم قبول هذه الفكرة لعدم صلاحيتها.

4 ــ المُعَمِّم:

وهو الذي يجعل من الحادثة الفردية ظاهرة عامة، حيث يضخم الأخطاء الصغيرة والقليلة ويوهم الآخرين بأن المشروع بأكمله فاشل.

5 ــ الثرثار:

وهو الذي يكثر الكلام والحوار والتعليق دون أن يترك للمغير فرصة للحديث.

6 ــ الملتقط:

وهو الذي يحسن الاستماع إلى المغير، ويحاول أن يلتقط بعض الكلمات أو العبارات التي يتلفظ بها هذا المغير والتي تخدم مقاومته ومعارضته للتغيير المطلوب، ثم يكتفي بهذه الكلمات ليثبت أن المشروع غير كامل وفيه ثغرات كثيرة بدليل ما تلفظ به المغير.

7 ــ المُرَكِّب:

وهو الذي يحاول الاستفادة من جميع الكلمات والعبارات والآراء والمواقف والمشاهد، ويُركِّب بعضها على بعض ليثبت أن المشروع فاشل.

8 ــ المسوِّف:

وهو من أخطر أنواع المقاومين إن لم يكن أخطرهم، وهو الذي ربما يمدح المشروع التغييري، ويثني على صاحبه، ولكنه يعقب فيقول: إن وقت المشروع ليس الآن، أو ينبغي تأجيله إلى السنة القادمة.

9 ــ الثعلب:

أي الماكر الذي يتلاعب على كل الحبال، ويتآمر بخبث ودهاء، ويتلون مع كل حال، ويتعامل بوجوه عدة، ويظهر غير ما يبطن.

10 ــ المشاجر:

وهو الذي يقاوم العملية التغييرية ويقضي عليها عن طريق المشاجرة والعراك.

11 ــ المنسحب:

وهو الذي يعبر عن مقاومته بالانسحاب والخروج من المكان الذي يناقش فيه المشروع التغييري، مما يسبب توتراً لدى الآخرين، أو يفض الاجتماع لعدم اكتمال النصاب.

12 ــ الذاتي:

وهو الذي لا يفكر إلا في ذاته، ولا يريد إلا ما يخدم مصلحته الشخصية، ومن ثم فقبوله للفكرة التغييرية أو رفضه لها يعتمد أولاً وأخيراً على مدى تحقيقها لمصالحه، ليس إلا.

13 ــ العقرب:

وهو الذي يلدغ مباشرة صاحب الفكرة التغييرية، ويشوه صورته عند الجميع، وذلك لأن زعزعة الثقة بصاحب التغيير هو في الحقيقة زعزعة الثقة في التغيير نفسه.

14 ــ المساوم:

وهو الذي يتفاوض مع المغير ويساومه في تغييره بحيث يصلان إلى حل وسط أو حل يشوه التغيير ويخرجه عن جوهره.

15 ــ التآمري:

وهو صاحب النفسية التآمرية التي لا تنظر إلا بمنظار التآمر، فيظن أن الآخرين يتآمرون عليه في مشاريعهم التغييرية، لذا فهو يتآمر عليهم كما (يظن أنهم) يتآمرون عليه، وشعاره »إذا لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب«.

1 ــ كن طبيباً:

يقوم الطبيب عادة بتشخيص الداء والتعرف على أسبابه ومن ثم يحدد له الدواء المناسب، وهذا ما ينبغي للمغير أن يقوم به ابتداءً عند مقاومة المقاومة.

إن للمقاومة أسباباً ودوافع لابد أن يتعرف عليها المغير حتى يستطيع التعامل معها، إذ ربما لا يحتاج المغير إلا إلى كلمات قليلة يمكن بها ترويض المقاومة.

لذا، فإن أول سؤال ينبغي أن يسأله المغير للمقاومين هو: لماذا تقاومون هذا التغيير؟

فإن كان السبب الحقيقي هو الجهل بحقيقة التغيير؛ كان العلاج هو توضيح جوانب وأبعاد وماهية وإيجابيات هذا التغيير.

وإن كان السبب هو الخوف على المصالح الشخصية؛ فإن العلاج هو تطمينهم بعدم تأثير التغيير على امتيازاتهم ومكاسبهم الشخصية.

وإن كان السبب هو التكاليف المادية للتغيير؛ فإن علاج ذلك يكون بتبيان الأرباح الكبيرة الآجلة التي يمكن أن يحققها هذا التغيير، وهكذا الحال بالنسبة لباقي أسباب ومبررات المقاومة.

2 ــ كن فطناً ذكياً:

إن مقاومة التغيير قد لا تكون مقاومة أخلاقية شريفة، إذ ربما تحتوي على العديد من التكتيكات والحيل والتمويه، لذا ينبغي أن يكون المغير ذكياً فطناً سريع البديهة.

مقاومة المقاومة

لكل فعل رد فعل، ولكل فعل تغيير فعل مقاوم ضده مهما بدى ضعيفا أو خفيا، ولكن هذه المقاومة هي التي تتسبب في إفشال العملية التغييرية، ولذا فلابد أن يتم التعامل معها بحذر وذكاء وحكمة من أجل تحجيمها أو ترويضها أو القضاء عليها.

ولكن كيف يتم ترويض هذه المقاومة أو التخلص منها؟ وبمعنى آخر: كيف يتم مقاومة المقاومة؟

هناك طرق عديدة وأساليب متنوعة لمقاومة المقاومة، وقبل الخوض في هذه الأساليب نود الإشارة إلى الملاحظات التالية:

1 ــ يمكن للمغير أن يستخدم أكثر من طريقة لمقاومة المقاومة، فقد لا تجدي طريقة واحدة فيضطر إلى ممارسة طريقة ثانية وثالثة ورابعة.. إلخ.

2 ــ يعتمد تبني أي طريقة من الطرق التالية على معايير عدة، من أهمها ما يلي:

أ ــ طبيعة المغيرين وإمكاناتهم.

ب ــ طبيعة المقاومة ومدى قوتها وهل هي فردية أم جماعية.

ج ــ الإمكانات البشرية والمادية المتاحة

د ــ الظروف والأحوال الداخلية والخارجية للمنظمة والأفراد.

هـ ــ الزمان والمكان.

3 ــ الغاية لا تبرر الوسيلة، ومقاومة المقاومة ينبغي أن تكون بأسلوب نظيف وشريف.