إذا كان 30% فقط من أطفال المدارس والمراهقين في منطقة الخليج يشربون الحليب صباحاً، بحسب الدراسات، وإذا كان معدل استهلاك الفرد في الإمارات للألبان السائلة يراوح عند 60 ليتراً في الإمارات و40 ليتراً في السعودية، سنوياً، في مقابل 115 ليتراً للفرد في دولة مثل اسبانيا.. فإن لدى مسوقي الحليب، بالتأكيد، الكثير ليفعلوه في أسواق المنطقة.

تشير دراسات »بارك« إلى أن الإنفاق الإعلاني لمنتجات الحليب، على وسائل الإعلام في المنطقة، لا يمثل أكثر من 1% من مجمل ما ينفق في قطاع المشروبات. إذ يتصدر الإعلان عن الشاي اللائحة بنسبة 47% من مجمل الإنفاق الإعلاني لهذا القطاع، بينما تحتل العصائر المرتبة الثانية بحصة 26%، والقهوة المرتبة الثالثة بحصة 15%.

ويتقدم الإعلان على منتجات البودرة التي يتم تذويبها وشربها، على الإعلان عن منتجات الحليب، بأكثر من 8%. هل صحيح أن الحليب لا يحتاج إلى إعلان؟ أم أن حجم الإنفاق على ترويج هذا المنتج أقل بكثير مما يجب أن يكون، خاصة في ظل تزايد فرص بيع المزيد من »الزجاجات البيضاء«، وانخفاض معدلات استهلاك الفرد للحليب، في منطقة الخليج، مقارنة بالدول الأخرى؟

يفصح خبراء التسويق عن تحديين ماثلين أمامهما في هذا القطاع. أولاً: إقناع المستهلكين بالتخلي عن ولائهم لحليب البودرة المجفف، وشراء المزيد من عبوات الحليب الطازج. أما التحدي الثاني فيتمثل بإقناع فئة مشتري القناني بشراء المزيد، عن طريق تقديم حزمة من المنتجات الجديدة.

عودة الإبل

هكذا، بوسعنا أن نفهم عودة كبرى الشركات المنتجة للحليب، وتوافقاً مع رغبتها بتقديم منتجات جديدة منافسة، إلى تسويق حليب الإبل، الذي يعرفه جيداً أهالي الخليج، ويعتبر جزءاً من ثقافتهم المتعلقة بالمأكل والمشرب، إلا أنه اختفى في السنوات الأخيرة نتيجة هيمنة المدنية ومظاهرها على البيئة الخليجية.

ومؤخراً، قامت مؤسسة الإمارات للحليب ومنتجات الجمال بتقديم منتجات من حليب الإبل بنكهات مختلفة. وتلبي هذه المنتجات ذائقة فئة كبيرة من المستهلكين الذين يهوون تجربة منتجات جديدة، أو أولئك الذين يعرفون حليب الإبل جيداً ويرغبون بعبوات مغرية ونكهات متجددة.

وتستخدم الشركات المسوقة لحليب الإبل السمعة الايجابية التي عرفت عنه منذ القدم. ففي الماضي، استخدم العرب حليب الإبل في معالجة العديد من الأمراض مثل أوجاع البطن، وخاصة المعدة والأمعاء، ومرض الاستسقاء وأمراض الكبد، وخاصة البرقان, وكذلك أمراض الربو وضيق التنفس ومرض السكري، كما استخدمته بعض القبائل في معالجة بعض المشكلات الجنسية.

هكذا، أطلقت شركة »العين لمنتجات الألبان« مجموعة من منتجات حليب الإبل، تتوجه إلى شرائح مختلفة من المستهلكين، مثل الباحثين عن النكهات، أو الأطفال. وتجد الشركة في منتجاتها الجديدة من حليب الإبل وسيلة لزيادة نمو مبيعاتها التي تقدرها بــ15% في السنة.

وينظر الخبراء إلى هذا الرقم بعين المعقولية، إذ يعتقد مدير المبيعات في شركة »العين لمنتجات الألبان« شاشي كومار أن »نسب النمو في مبيعاتنا من السائل الأبيض جيدة، خاصة أنها تتجاوز النمو العام لمعدل السكان في دولة الإمارات، والمقدر من 5 إلى 6% في السنة«.

لا تزال الفرص، إذاً، كبيرة أمام الشركات التي تبيع الحليب، لزيادة حجم مبيعاتها، عن طريق الاستمرار في إطلاق المنتجات الجديدة، مثل الحليب منزوع الدسم، والحليب المزود بكريما مضاعفة، أو قليل الدهن، وهو الاتجاه الذي بدأته الكثير من الشركات قبل عامين.

الولاء

لكن التحدي الرئيسي الذي يواجه مسوقي العلامات التجارية التي تحملها منتجات الحليب، يتمثل بمحاولة تغيير العادات الشرائية لدى المستهلك، والذي يرتبط بعلاقة ولاء، يصنفها المسوقون بــ »القاسية« بماركة منتج الحليب الذي اعتاد على شرائه.

يقول حسام عبدالنور، خبير في العلامات التجارية، ان »الدراسات التي تناولت علاقة المستهلك بمنتج الحليب أثبتت أن خيارته، في العادة، تنحصر بين علامتين تجاريتين، بالحد الأقصى. وحين يدخل إلى المتجر، يبحث فوراً عن العلامة التجارية التي يستخدمها في العادة،

وان لم يجدها، يبحث عن العلامة الثانية المسماة علامة ــ البديل، وان لم يجدها، فإن فرصة تراجعه تماماً عن شراء منتج الحليب تكون كبيرة«. ويعتبر عبدالنور أن هذا النوع من العلاقة بين المستهلك والعلامة التجارية لا ينطبق على المنتجات جميعها، وللحليب خصوصية في هذا المجال.

وإزاء هذا الوضع، تواجه الشركات الجديدة التي ترغب في الدخول إلى أسواق الحليب صعوبة في موضعة علامتها التجارية في لائحة خيارات المستهلك. لذلك تلجأ غالبيتها إلى خطة للتحايل على »صرامة« السلوك الاستهلاكي،

وهي تزويده بمنتجات جديدة ومختلفة من الحليب »ساب كاتيغوري« لا توفرها الشركة صاحبة العلامة التجارية المفضلة عنده. وهكذا، شاع في الفترة الأخيرة ظهور منتجات مطورة من »الحليب الوظائفي« (فانكشنال ميلك)، الذي تضاف إليه مواد مثل الكالسيوم، أو مخفضات الكوليسترول.

إعلانات مبتكرة

كما أن تحدياً آخر يواجه المسوقين، كشفت عنه الدراسات، وهو الترويج لمنتج الحليب عن طريق إعلانات مبتكرة تتجاوز الكليشيهات التقليدية: »لم تعد مرضية كثيراً، ومؤثرة، الحملات الإعلانية التي تقول للمستهلك: اشرب مزيداً من الحليب. هذا جيد لصحتك«، يشرح كومار.

لذلك تلجأ بعض إعلانات الحليب إلى التركيز على عناصر محددة في المنتج، غير موجودة في منتجات الشركات الأخرى، وتبيان فوائدها. على سبيل المثال، قامت الشركة المصنعة لحليب »أبو قوس«، الذي يعود تاريخه في المنطقة إلى أكثر من نصف قرن، بإطلاق حملة إعادة تجديد لعلامتها التجارية »ريبراندنغ«،

ركزت من خلالها على العناصر الجديدة التي أضيفت إلى المنتج: »لقد ركزنا في العبوات الجديدة لمنتجاتنا على أن تتضمن 27 عنصراً من الفيتامينات والمعادن، هذا مع العمل المتواصل على تعزيز مذاقها.

ويأتي هذا التجديد تتويجاً للجهود المبذولة في سبيل تلبية احتياجات العملاء في المنطقة، كما يعكس التصميم الجديد شعارنا (طعم أكثر.. تغذية أكثر) بوضوح أكبر ويجعله أقرب إلى ذوق العملاء«، هذا ما شرحه فيكاس ميتال، مدير التسويق في شركة فريزلاند فودز، الشركة المصنعة لحليب »أبو قوس«.