مع اقتراب موعد تنفيذ اتفاقية العملة الخليجية الموحّدة والمحدد له اليوم الأول من يناير 2010، بدأت تظهر على السطح بوادر صعوبات تهدد تنفيذ الاتفاقية في الوقت المحدد بل ذهبت الأمور إلى أبعد من ذلك الأسبوع قبل الماضي عندما قررت سلطنة عُمان الانسحاب نهائيا من مشروع العملة الخليجية الموحدة لعدم تمكنها من الالتزام بالمعايير المحددة لذلك
وقال وزير الاقتصاد الوطني أحمد مكي إن بلاده لن تتمكن من تحقيق معايير التضخم والعجز والدين العام التي تقيد القرار الاقتصادي في البلاد وأعلنت سلطنة عمان انسحابها من الموعد النهائي المقرر في أول يناير 2010 بسبب تأخر تنفيذ تدابير تشمل المجلس برمته مثل تطبيق اتفاق الوحدة الجمركية.
وتلا ذلك تصريح صدر عن وزير المالية السعودي إبراهيم العساف بقوله إن دول مجلس التعاون الخليجي قد تراجع موعد 2010 المستهدف لطرح عملة موحدة بعدما قالت عمان في الآونة الأخيرة إنها لن تلتزم بالموعد النهائي.
وقالت البحرين إن إصدار العملة الخليجية الموحدة في موعد أقصاه عام 2010 قد يواجه صعوبات تعترض خطة دول مجلس التعاون الخليجي الست في هذا الشأن.
وشككت سلطنة عمان بإمكانية وفاء الدول الست الأعضاء في المجلس (الإمارات وقطر والسعودية والكويت والبحرين وعمان) بالموعد المحدد بعد تأجيل تنفيذ الوحدة الجمركية التي كان من المفترض استكمالها نهاية عام 2005.
وقال وكيل وزارة المالية البحريني إبراهيم بن خليفة آل خليفة على هامش مؤتمر في دبي إن بلاده ستدعم جهود تحقيق الوحدة النقدية في وقتها المحدد لكن قد تكون هناك بعض المصاعب وينبغي بحث كيفية التعامل معها.
وأضاف ان من هذه المصاعب الوقت والجدول الزمني والتعديلات في المجال النقدي، لكنه طرح إمكانية الالتزام بالموعد المحدد ومسايرة البحرين للأحداث. وذكر المدير الإقليمي للبحوث في بنك ستاندارد تشارترد ستيف برايس أن ما كانت تسعى إليه عمان هو التحرك للأمام في بعض القرارات الخليجية لجعل موعد إصدار العملة الموحدة واقعيا.
واستبعد معالي سلطان ناصر السويدي محافظ المصرف المركزي مؤخرا تأجيل الموعد المحدد في 2010 لإقامة الوحدة النقدية بين دول مجلس التعاون الخليجي بعد قرار سلطنة عمان الانسحاب من الاتفاقية. كما استبعد أيضا الين الياباني من خطة تنويع احتياطيات الإمارات من النقد الأجنبي التي يهيمن عليها الدولار الأميركي.
وقال خلال جلسة نقاشية في المؤتمر المصرفي الأوروبي بفرانكفورت: في نظري أنه في 2010 سيكون هناك شكل من الوحدة النقدية، مضيفاً أن هذا يعني أن العملة الجديدة ستكون في أيدي المواطنين.
وقال السويدي ان الشكوك العمانية بشأن الجدول الزمني تتصل على الأرجح بالإشراف على القطاع المصرفي وهو ليس عنصراً أساسياً للوحدة النقدية. واستبعد أن تكون دول المجلس الأخرى متشككة في الجدول الزمني لطرح العملة الموحدة في 2010.
وقال: أعتقد أن محافظ البنك المركزي العماني كان يتحدث عن تحقيق الأبعاد الثلاثة للوحدة النقدية وهي الوحدة النقدية والإشراف المصرفي وتوزيع العملة. لا أعتقد أن علينا القيام بكل هذه الأشياء بحلول 2010.
وأوضح أن التجهيزات الفنية لإطلاق العملة الموحدة بلغت مراحل متقدمة وصلت إلى حد اختيار ألوان الأوراق النقدية، لكن اسم العملة ومقر المصرف المركزي الخليجي والجوانب السياسية المتصلة بالإشراف المصرفي لم تحسم بعد.
وقال السويدي إنه ينبغي عدم ربط العملة الخليجية الموحدة بسلة عملات، لكنه أضاف إنها سترتبط بعد الوحدة النقدية المزمعة عام 2010 بالدولار لفترة، وأنه سيتم تعويمها على الأرجح بعد حوالي خمس سنوات.
صعوبات وتحديات عالمية وإقليمية
في ظل التطورات والمتغيرات الاقتصادية العالمية المتسارعة التي تجتاح الأوساط الاقتصادية إقليميا وعالمياً، مما يلقى بظلاله، لا محالة، على البيئة الاقتصادية العربية عموماً، والخليجية بصفة خاصة، بات من المحتم على دول مجلس التعاون الخليجي كتكتل سياسي واقتصادي أن تسعى جاهدة لاتخاذ التدابير الإجرائية والعملية التي تحقق أهداف هذا الاتحاد،
وعلى رأسها موضوع التكامل الاقتصادي الذي يجعل هذا التكتل مرتكزاً على المصالح الاقتصادية المتبادلة التي تأخذ في اعتبارها متطلبات العولمة والانفتاح المصاحبة للتغيرات الاقتصادية العالمية.
لقد كان قيام كيان اقتصادي وسياسي متكامل، على غرار الاتحاد الأوروبي مثلاً، حلماً راود مواطني الخليج العربي في كل الدول الأعضاء في مجلس التعاون منذ ميلاده في الثمانينات من القرن الماضي.
وقد بات تحقيق هذا الحلم أحد التحديات التي تفرضها التطورات السياسية والاقتصادية الإقليمية والعالمية، مما يحتم على دول المجلس اختصار المراحل الزمنية والإسراع بتحقيق وحدتها السياسية والاقتصادية.
وضمن هذا الإطار تمثل العملة الخليجية الموحدة إحدى الركائز الأساسية لوضع هذه الطموحات والتطلعات موضع التنفيذ والانطلاق نحو إقامة وحدة نقدية خليجية وسوق خليجية مشتركة تتيح سهولة انتقال رؤوس الأموال ما بين دول المجلس، بهدف إقامة المشاريع الاقتصادية المشتركة،
خاصة ان دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك العديد من المزايا والمقومات الفريدة التي تجعل من تكتلها النقدي مثالاً يحتذى به مثل تشابه طبيعة اقتصاداتها وامتداد موقعها الجغرافي، إضافة إلى بُعدها الثقافي والحضاري المتمثل في وحدة التاريخ والدين واللغة.
وإذا أخذنا التجربة الأوروبية في الاعتبار فإننا نجد أنها قد أمضت نحو نصف قرن منذ بزوغ فكرة الاتحاد الأوروبي عقب نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1946 إلى أن تمخضت عن قيام معاهدة ماسترخت بمباركة 15 دولة أوروبية
ودخولها حيز التنفيذ في نوفمبر 1993 لتشكل اللبنة الرئيسية في قيام العملة الأوروبية الموحدة (اليورو)، التي اقتضى التوصل إلى بدء طرحها في الأسواق في يناير 2002 المرور بعدة مراحل تجاوزت السنوات العشر (1990 - 2002).
وقياساً على ذلك نجد أن التجربة الخليجية التي استهلت انطلاقتها في بداية الثمانينات لم تتأخر كثيراً في مسيرة استكمال مشروعها السياسي والاقتصادي.
فبالرغم من التعثر والمعوقات التي صاحبت التجربة الوليدة، يمكن القول إن هنالك العديد من الإنجازات التي تحققت خلال هذه الفترة الزمنية الوجيزة. ويبدو طبيعياً أن يستغرق مشروع كهذا وقتاً أكثر في الدراسة والبحث قبل وضعه موضع التنفيذ.
هنا تتباين الآراء ووجهات النظر بين من يرون أن الوقت قد حان في ظل التحديات الراهنة التي تواجه دول المجلس بأن يتم إقرار موضوع الوحدة النقدية في شكله النهائي وبين ما يراه بعض المعارضين، أو المتحفظين، الذين يرون أن دول المجلس ما زالت غير مؤهلة للدخول في وحدة نقدية يترتب عليها الكثير من التبعات والخطوات المحفوفة بالمخاطر.
وإذا ما أمعنا النظر في هذه الآراء المتباينة، لا بد أن ندرك من خلال قراءة سريعة للوضع الراهن أن ما حققته دول مجلس التعاون في مجال أهداف الاتفاقية الاقتصادية يفوق ما حققته أوروبا، من حيث المقياس الزمني، خاصة فيما يتعلق بالتشريعات والآليات التي تخدم الأداء الاقتصادي والاستقرار المالي والنقدي في دول المجلس التي تتمتع بطبيعة ومقومات غاية في الخصوصية لا يمكن اختزالها في قوالب أو صيغ جاهزة أو معدة سلفاً.
إيجابيات تنفيذ العملة الخليجية
ويرى المؤيدون للإسراع بقيام العملة الخليجية الموحدة أن من شأن قيام تلك العملة أن تقلل كثيراً من تكلفة الواردات سواء من دول الاتحاد الأوروبي أو من الدول الأخرى، حيث ستوفر العملة الموحدة دفعة قوية للاقتصادات الخليجية مجتمعة، مما يحسن من موقف كل من المستوردين والمصدرين الخليجيين في الأسواق الخارجية، إضافة إلى جذب الاستثمارات الأجنبية.
أما على صعيد المنطقة فستسهم العملة الموحدة بسهولة وحرية انتقال رؤوس الأموال ما بين دول المجلس مما ينجم عنه زيادة الناتج الوطني لدول المجلس وخفض معدلات البطالة والتضخم، وبالتالي رفع المستوى المعيشي لمواطني دول المجلس.
وإذا ما أخذنا في الاعتبار أن كل العملات الخليجية مرتبطة أساساً بالدولار، عدا العملة الكويتية المرتبطة بسلة عملات يشكل الدولار نسبة أكبر فيها، إضافة إلى موافقة الكويت على اعتماد الدولار كمثبت مشترك للعملة الخليجية الموحدة، فإن ذلك يعطي مؤشراً إيجابياً على سهولة ومرونة الانتقال نحو مرحلة التطبيق العملي.
ومن خلال استعراض بعض الآراء التي يطرحها المحافظون أو المتخوفون من فشل التجربة، والتي لاحظت بصفة عامة، أنها يغلب عليها طابع الغوص في التفاصيل توطئة للخروج ببعض المحاذير التي تشكك في إمكانية نجاح التجربة من خلال طرحهم العقبات التي يمكن أن تواجهها؛ أود أن أشير إلى أن المخاوف لا تصنع حياة الأمم والشعوب بقدر ما يصنعها التفاؤل بغدٍ مشرق يعود عليها جميعاً بالنفع والفائدة.
كما أن وجود المخاوف والتحديات يعتبر أمراً طبيعياً يمكن أن يواجه أي تجربة ناشئة. صحيح أنه عند الإقدام على أي عمل يتعلق بحياة الشعوب لا بد من طرح أسئلة مهمة وصريحة يكون الهدف منها هو إنارة الطريق وليس وضع العراقيل أمام التجربة.
ونود أن نذكر هؤلاء وأولئك بأن بلوغ الهدف الأسمى نحو قيام تكتل اقتصادي وسياسي يكسب دول المجلس مكانة على الخريطة السياسية والاقتصادية الدولية يقتضي منا بذل المزيد من التضحيات وتقديم التنازلات التي تضع المصلحة العامة لشعوب المنطقة كافة فوق كل اعتبار.
أما محاولة طرح بعض الآراء والتساؤلات مثل رفض دول أوروبية - كبريطانيا والسويد والدنمارك ـــ الانضمام إلى اليورو، فهو أمر لا يقدم ولا يؤخر كثيراً في هذه المرحلة باعتبار أن التجربة الأوروبية شقت وما زالت تشق طريقها بنجاح رغم إحجام هذه الدول.
أخيراً نود الترحيب والإشادة بالقرارات التي اتخذتها لجنة محافظي مؤسسات النقد والبنوك المركزية في دول المجلس في اجتماعها الـ 40 المنعقد أخيرا في أبو ظبي، والتي تم بموجبها الاتفاق على حسم العديد من النقاط المهمة مثل معايير الاتحاد النقدي، تقارب الأداء الاقتصادي، معدلات التضخم، أسعار الفائدة، احتياطيات النقد الأجنبي، ونسب العجز السنوي إلى الناتج المحلي لكل دولة.
كما أن من المؤشرات الباعثة على التفاؤل ما صدر من تصريحات عن هذا الاجتماع مفادها الاتفاق على الخطوط العريضة للاتحاد النقدي والعملة الموحدة وترك التفاصيل لمزيد من البحث، مع التأكيد على قرار اللجنة القاضي بتكليف فريق عمل من دوائر الخزانة وإصدار العملة في البنوك الخليجية المركزية لدراسة مواصفات العملة الموحدة، اسمها وفئاتها توطئة لإطلاقها قبل عام 2010 حسب الجدول الزمني.
كما أن مناقشة اللجنة لضرورة إنشاء مركز إحصائي موحد لدول المجلس، طبقاً للدراسة المقرر إعدادها بواسطة البنك المركزي الأوروبي، يصب في خانة ضرورة التعلم ممن سبقونا في هذا المضمار.
ونود أن نضيف إلى ذلك أن الضرورة تقتضي إشراك القانونيين من أبناء الخليج في أمر كهذا بغية إكسابهم التجربة من خلال الممارسة العملية، خاصة ان جل هذه الدراسة يتركز على وضع التشريعات والنظم المؤسسية للسلطة النقدية،
بوصفهم يشكلون النواة للكادر المستقبلي المنوط به الاضطلاع بالمهام التشريعية والقانونية لهذا الاتحاد النقدي المزمع خلال مرحلة هو أحوج ما يكون فيها إلى بناء قاعدة تشريعية وقانونية صلبة قوامها أبناء منطقة الخليج العربي.
اهتم مجلس التعاون الخليجي باكراً بالجوانب النقدية لتحقيق متطلبات المادة 22 من الاتفاق الاقتصادي الموحد، الذي ينص على سعي الدول الأعضاء لتنسيق سياساتها المالية والنقدية والمصرفية، ودعم التعاون بين مؤسسات النقد والبنوك المركزية لديها، بما في ذلك إنشاء عملة موحدة لدعم تكاملها الاقتصادي المنشود.
الاتحاد النقدي الخليجي
وحقق المجلس إنجازات كثيرة في هذا الشأن، توجت بالاتفاق على إصدار عملة خليجية موحدة في بداية عام 2010. وخطت دول المجلس حتى الآن خطوات مهمة لتحقيق هذا الهدف،
حيث تم الاتفاق خلال العام الماضي على معايير مالية ونقدية للأداء الاقتصادي يتطلبها الاتحاد النقدي الخليجي، وتشتمل على أسعار الفائدة، ومعدلات التضخم، ومدى كفاية احتياطات السلطة النقدية من النقد الأجنبي، ونسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، ونسبة العجز السنوي في المالية الحكومية العامة إلى الناتج المحلي الإجمالي.
والجديد في سياق الجهود التي تبذل باتجاه إقامة الاتحاد النقدي الخليجي وإصدار العملة الخليجية الموحدة، ما أعلنه في سبتمبر الماضي الاجتماع الـ41 لمحافظي مؤسسات النقد والبنوك المركزية الخليجية، من ان خطوات عملية مهمة اتخذت لإصدار العملة الخليجية الموحدة، شملت تسمية العملة وفئاتها وأسلوب طرحها للتداول، وتحديد نظام صرفها وإقامة المؤسسات الخاصة بها.
ومما لا شك فيه أن العملة الخليجية الموحدة على جانب كبير من الأهمية لدول المجلس، من شأنها أن تحقق لها أعلى مراحل التكامل الاقتصادي الذي تنشده، إضافة إلى دعم استقرار تبادلها التجاري مع الدول الأخرى، وتعزيز حركة التجارة والنشاط المالي بينها، والمساهمة في قيام سوق إقليمية لرأس المال، نظراً لما ستتمتع به العملة الخليجية الموحدة من قدر كبير من السيولة.
سلبيات محتملة
كما يرى بعض الأخصائيين أن العملة الخليجية الموحدة ستساعد على خفض تكاليف المعاملات الخارجية، وتنظم عملية عرض النقود الورقية في السوق لضمان سلامة قيمتها، وكذلك تشجيع المصارف في الدول الخليجية على رفع أدائها على أسس مصرفية متطورة تتلاءم مع مستجدات الخدمات المصرفية العالمية.
ومعروف أن مشاريع العملات الموحدة من شأنها أن تؤدي إلى تخلي الدول المعنية عن حرية إجراء أي تغيير في أسعار الصرف بمفردها، وكذلك التخلي عن انتهاج سياسات نقدية مستقلة خاصة بها، واللجوء إلى إجراءات طارئة لمواجهة الأزمات المالية والمصرفية.
وبينت دراسة لصندوق النقد الدولي أن أي سلبيات محتملة للعملة الموحدة في دول المجلس ستكون أقل شأناً مما هي عليه في التجمعات الإقليمية الأخرى، مثل منطقة اليورو وغيرها، وذلك لأن دول المجلس لم تلجأ في الماضي إلى تعديل ترتيبات أسعار صرف عملاتها، إلا في القليل النادر، ما يعني ضآلة احتمال استخدامها لهذا المخرج في ظل الظروف التضخمية المختلفة أو لأي سبب آخر،
إضافة إلى أن التشابه بين الاقتصادات الخليجية بنيوياً، من حيث اعتمادها بصورة كبيرة على الصادرات النفطية، سيجعل من أي صدمة مستقبلية محتملة، تطاول كل دول المجلس وليس دولة معينة.
من جانب آخر تشير الدراسة إلى أن تشابه أسواق العمل في دول المجلس، واتسامها بالمرونة من حيث حرية التنقل ومستويات الأجور الاسمية، واعتمادها على العمالة الخارجية، ستعطي اقتصاداتها سهولة في التكيف مع أي صدمات محتملة من دون اللجوء إلى إجراء أي تعديل في أسعار الصرف.
كذلك تغني ضخامة الأصول الأجنبية المتوافرة لدى دول المجلس، عن احتمال اللجوء إلى معالجة الأزمات المالية إن وقعت بطباعة النقود. لاشك في أن إصدار عملة موحدة في التجمعات الإقليمية تمثل أعلى مراحل التكامل بين الدول الأعضاء، وتسبقها خطوات كثيرة لا بد منها من أهمها إقامة السوق المشتركة، والوحدة الاقتصادية.
الاستفادة من تجربة الاتحاد الأوروبي
ويتبين من تجربة الاتحاد الأوروبي أنها احتاجت إلى ما يقارب أربعة عقود للوصول إلى الوحدة النقدية، وإصدار العملة الأوروبية الموحدة، سبقها وضع آليات وتشريعات مشابهة لتحقيق الاندماج والوحدة الاقتصادية الأوروبية.
وهذا يعني أن ثمة استحقاقات لا بد منها للوصول إلى العملة الخليجية الموحدة، تستدعي تنفيذ كل الخطوات العملية اللازمة لإقامة السوق الخليجية المشتركة مع نهاية عام 2007، (كما هو متفق عليه من قبل واليد العالمة)
والتي تتركز أهدافها على حرية انتقال السلع ورأس المال والعمالة، وإزالة كل المعوقات التي تواجهها، وخصوصاً في مجال نقل السلع براً، إضافة إلى إكمال تحرير كل السلع المتبادلة بين دول المجلس، ومن ثم تحقيق الوحدة الاقتصادية الكاملة، وذلك قبل اعتماد العملة الموحدة عام 2010.
إن العملة الخليجية الموحدة تجسد رغبة دول المجلس في زيادة التعاون والتكامل بينها، والسعي الدؤوب لمواصلة العمل نحو استكمال إقامة تكتل اقتصادي أسوة بالتكتلات الاقتصادية العالمية، خصوصاً أن دول المجلس تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتكون قوة اقتصادية مهمة في المنطقة.
ولإعطاء الأمور حجمها الحقيقي، ومن منظور واقعي، لا بد لي من القول ان تحقيق هذه الأهداف المرجوة، أو تعزيز مكانة العملة الخليجية الموحدة مستقبلاً، يستدعي دفع عجلة التنمية في دول المجلس،
وترسيخ ما يمكن تسميته بالتكامل الاقتصادي الإنمائي بينها بهدف توسيع وتنويع القاعدة الإنتاجية الخليجية بكل أبعادها وفي كل المجالات القادرة على الوفاء بالاحتياجات التنموية المحلية، ورفع مرونة استجابة العرض لتغيرات الطلب في إطار السوق الخليجية المشتركة،
إضافة إلى إعطاء أهمية خاصة للإسراع في تنفيذ مشاريع الربط الضرورية لتوثيق الأواصر التكاملية في مجال الكهرباء والاتصالات وخطوط الغاز، لأنها تساعد على إحكام حلقات التكامل بين دول المجلس.
حتمية التكامل الاقتصادي
كذلك لا بد في هذا السياق من التشديد على حتمية التكامل المالي الخليجي في ظل اندماج أسواق المال العالمية، والذي لا يتوقع له أن يتم بأشكال التعاون الحالية بين المؤسسات المالية الخليجية. وتتمثل الأخيرة بتجميع المعلومات وتنسيق العمليات والاشتراك في التمويل مع بعضها في شكل جماعي.
فالحل هو بالاندماج وإنشاء عدد محدود من المؤسسات المالية الضخمة، القادرة على العمل في موقف تنافسي أفضل وسط الأسواق العالمية المندمجة، وأمام التكتلات الاقتصادية والمالية الدولية، لأنها في حدود إمكاناتها الحالية لن تقوى على منافسة المؤسسات المالية الدولية حتى في الأسواق الخليجية نفسها، في ظل تحرير الخدمات ودخول هذه المؤسسات الدولية للعمل في دول مجلس التعاون بحكم اتفاق (الجات).
من جانب آخر، لا بد في إطار التكامل المالي الخليجي من إعطاء أهمية خاصة لأسواق الأوراق المالية الخليجية، لتطويرها وزيادة حجمها وقدرتها الاستيعابية واستحداث مؤسسات مالية متخصصة لتسهيل انسياب عمليات التبادل في السوق في جو من المنافسة مثل المصارف الاستثمارية، وصانعي الأسواق والوسطاء.
أن تحقيق الاتحاد النقدي الخليجي، وإصدار العملة الخليجية الموحدة، وإحكام التكامل بين الدول الخليجية، لا نظنه سيبعد الدول الخليجية عن عمقها العربي في منظوره التكاملي، بل انه سيزيد سعيها الجاد نحو الاستفادة المتبادلة من الموارد
والفرص التجارية والاستثمارية المتاحة لدى السوق العربية الواسعة التي يقدر عدد سكانها بنحو 310 ملايين نسمة، على أساس من المنافع الاقتصادية المتبادلة بين كل الدول العربية، وبعيداً من الشعارات العاطفية والمصالح القطرية الضيقة.
متابعة ـــ أبو بكر الأمين:

