إن الحديث عن واقعية الحياة، حديث ليس فيه جديد يستحق التوقف عنده أو الإشارة إليه، بينما الحديث عن أحلامنا، وآمالنا وطموحاتنا وأخبار عواطفنا فأمر يستحق كل التوقف في خضم حضارة الاسمنت والريموت كونترول التي تسحقنا كل يوم بلا هوادة.

ألا ينبغي ترطيب هذه المساحات القاحلة من صحارى أعمارنا الجرداء.كل علاقاتنا الاجتماعية بحاجة إلى إعادة نظر، بحاجة إلى جلسات جرد، ونوافير ماء وخضرة تهدئ من جنون وتوتر أعصابنا المشدودة.نحن بحاجة إلى جرعات متتالية من هزات عاطفية، توقظ فينا بقايا الأحاسيس المتبلدة، والمشاعر المكبوتة الملغاة تقريبا من قاموس تعاملنا اليومي.

لقد فقدنا يوما بعد يوم، تلك القدرة العفوية على التعبير، لقد نشفت جلودنا و(تمسحت) سكنها الجفاف والقحط فأمست قطعا جلدية مدبوغة باللهاث وراء كل شيء وأي شيء إلا الحب، ليس حب الأفلام والمسلسلات العربية بالطبع!

الحب.. هذه الخلطة السرية «السحرية» التي نسيناها أو تناسيناها.

هذا الاكسير...

هذا النبع الذي نظمأ إليه دائما في دائرة بحثنا عن ذواتنا.

لن تجد اليوم ذلك التأثر الكلاسيكي ـ إن صح التعبير ـ على فقد عزيز، حتى الحزن، هذا الشعور الراقي فقدناه وأصبحنا نمثل على بعضنا البعض ونستجدي أقنعة للحزن ولا نعرف كيف نرتديها!

الحزن شعور أصيل كالشهامة والتواضع والوضوح والكياسة وحب الخير واحتقار الشر.

الحزن كنقيضه الفرح، كلاهما أسيء فهمهما هذه الأيام. الحزن ليس الهلع، هو البكاء الصامت، والتذكر العذب الحارق، ليس الندب والولولة، الحزن شعور داخلي عظيم، عظمته تأتي من قدرته الفائقة على تعليمنا وتربيتنا أكثر بكثير من الفرح، فهو مونولوج العواطف والذكريات فيه الكثير من الرقي والنبل والتهذيب.

كما أن الفرح ليس هو التهريج والفوضى والسوقية..

نحن بحاجة في الحقيقة إلى (حك جلد).. إلى عود ثقاب..

وقرعة طبل توقظنا من هذا السبات الممل.

الحب ليس هو ذلك الحديث (المنمق) المتكلف، الخافت خفوتا مشبوها عبر سماعات الموبايلات ليل نهار، الحب وضوح وصدق ورجولة وتفانٍ ومروءة، بعيد كل البعد عن إضاعة الوقت بالانشغالات التافهة وسفاسف الأمور.