يمثل الاقتصاد الرقمي حقبة اقتصادية جديدة تتميز بمتغيرات متلاحقة وتحولات جذرية، ويصاحب ذلك الكثير من الفرص الاقتصادية التي تأتي مواتية للتقنيات الحديثة في مجال الاتصالات والمواصلات، فضلاً عن التطورات التي صاحبت العولمة الاقتصادية التي يمر بها العالم حالياً.
فالنظام العالمي الجديد الذي أطل برأسه بعد انتهاء الحرب الباردة حمل معه منطقاً خاصاً به تحكمه قواعد جديدة، وله جوانب إيجابية من جهة وجوانب سلبية من جهة أخرى، الأمر الذي نتج عنه تحديات وتداعيات لابد من مواجهتها.. فانفتاح الأسواق، والتكتلات الاقتصادية، والشراكة الأوروبية المتوسطية، والتطورات البارزة في قطاعي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، نقلت جميعها الاقتصاد العالمي إلى مرحلة جديدة تتسم بتبدل في القوانين والمبادئ ونوعية الانتاج وكيفيته.
ورغم أن بعض الباحثين يقلل من نطاق وأهمية هذا الاقتصاد الجديد معتبرين إياه مجرد اقتصاد رقمي قائم على التجارة الإلكترونـية فإن آفاقاً رحبة قد فتحت للاقتصاد الرقمي كاقتصاد جديد يعمل على زيادة نمو معدل الانتاجية بشكل مرتفع على المدى الطويل.
ويعتبر الاقتصاد الجديد بديلاً لا خيار للدول العربية لاختياره، خاصة وأن الاقتصاد العربي يحاول منذ فترة الخروج من مأزق اعتماد أغلب دوله على النفط كمصدر رئيسي للدخل الوطني، أو حتى افتقاد دول عربية أخرى لمصادر دخل متجددة تكفي للوفاء بمتطلبات التنمية لديها.
حول مدى مسايرة الدول العربية للتطورات العالمية، يقول المهندس رأفت رضوان بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري: ان المنطقة العربية لديها الإمكانيات المالية والاستثمارية للدخول إلى الاقتصاد الرقمي، إضافة إلى الموارد البشرية اللازمة لإحداث التحول المطلوب للانتقال من مرحلة التلقي إلى مرحلة المشاركة الفاعلة.
موضحاً أن المتتبع لخريطة الاقتصاد الرقمي على المستوى العالمي، يجد أن الدول العربية لا تزال في مكانة متأخرة، إذ تشير الإحصاءات أن نسبة العرب المستخدمين للإنترنت لا تتجاوز 0.06% من مجموع المستخدمين في العالم، وأيضاً فإن التبادلات العربية عبر التجارة الإلكترونية لا تزيد على 100 مليون دولار مقابل 300 مليار على المستوى العالمي، ويستدل على اتساع الفجوة بين العلم والدول العربية من خلال أجهزة الكمبيوتر وخطوط الاتصالات في كل منها.. مؤكداً أن التجارة الإلكترونية ستكون مرادفة للتجارة نفسها في المستقبل القريب.
العبور للاقتصاد الرقمي وفي دراسة علمية لرضوان عن »عالم التجارة الإلكترونية« يضع خطة عمل للتحول إلى الاقتصاد الرقمي، الذي ما زال يمثل عقبة أمام مؤسسات الأعمال العربية، ويرى أن أول خطوة للدخول إلى الاقتصاد الرقمي هي استخدام البريد الإلكتروني، إذ تبدأ مؤسسات الأعمال في الحصول على العنوان الإلكتروني للتعرف على الشركة.
ويضيف انه من الممكن الحصول عليه مجاناً من خلال عدد غير محدود من الشركات المتخصصة في هذا المجال، وبالحصول على هذه الخدمة تبدأ أولى خطوات الاستعادة الفعلية من الاقتصاد الرقمي سواء في قيمة الصادرات الصناعية، أو في القطاع المصرفي أو غيره من القطاعات الاقتصادية العربية.
ويقول د. محمود حامد عبدالرزاق أستاذ اقتصادات التجارة الخارجية بالقاهرة: إن التجارة الإلكترونية هي البديل أمام الاقتصاد العربي، موضحاً أن هذا النظام سوف يضعف فرصة الشركات التي لا تدخل هذا السوق في الحصول على عروض الشراء المناسبة، أو التعريف بانتاجها ومعرفة الأسواق الخارجية، لزيادة الصادرات إذ أن نجاح سلعة أو خدمة في التجارة الإلكترونية سيكون نموذجاً للصناعات السلعية أو الخدمية في التجارة الخارجية.
ويرى أن ذلك يدفع الدول العربية إلى الاتجاه نحو الاقتصاد الرقمي متمثلاً في التجارة الإلكترونية كاستراتيجية لتطوير التجارة الخارجية العربية، والبدء في تحديث التعامل التجاري والمالي، ومن هنا يمكن القول ان الصناعة كقطاع اقتصادي قابلة للتأقلم بشكل كبير مع الاقتصاد الرقمي الحديث.
نمط تقليدي
ومن القطاع الصناعي إلى القطاع المصرفي، الذي يعد من أهم القطاعات الاقتصادية ذات القدرة العالمية على التأقلم مع الاقتصاد الرقمي، نظراً لمرونته ودوره في تحويل كل النشاطات الاقتصادية وتحركات الاستثمار، يقول د. سامي عفيفي بمركز بحوث التنمية التكنولوجية: إذا كان تبني المصارف الأجنبية الأسلوب الإلكتروني في صفقاتها وأعمالها المالية، قد أحدث نوعاً من التكيف، فإن المصارف العربية ما زالت مقصرة في هذا المجال، مشيراً إلى تكلفة الطرق الإلكترونية، ومن ثم يصبح استخدام الطرق الإلكترونية في الأعمال المصرفية أمراً غاية في الأهمية.
خاصةً وأن الدول العربية تضم 343 مصرفاً عاماً وخاصاً واستثمارياً تحتل عصب الاقتصاد العربي، ونتيجة لذلك شدد خبراء مجلس الوحدة الاقتصادية على أهمية تخلص المصارف من النمط التقليدي والتعامل مع التجارة الإلكترونية، باعتبارها تجارة المستقبل والوسيلة التي يمكن أن تحقق نجاحاً كبيراً في تنمية التجارة العربية البينية، كما حذر اتحاد المصارف العربية من خطورة اختراق المصارف الأجنبية لأسواق الجهاز المصرفي العربي.
وترى د. يمنى الحماقي أستاذ الاقتصاد أن أهم التحديات التي تواجه الدول العربية في مجال الاقتصاد الرقمي هي المهارة، إذ أن معايير المهارة في عالم الاقتصاد الرقمي تقاس وفق معايير دولية وان أي تقدم يمكن أن يحدث سيكون على حساب العمالة غير الماهرة، مؤكدة ضرورة تفعيل دور الشباب، وكذلك ضرورة هيكلة الاقتصادات العربية، بحيث تستطيع دخول الاقتصاد الرقمي خاصةً المصدرين منهم للإلمام بالإنترنت والتعاملات الدولية.
