مستر فيكتور هو الاسم الرمزي للسجين صدام حسين في معتقله الأميركي ببغداد، هذا السجين الذي شغل الدنيا قد مات الآن شنقاً حتى الموت، وانتصر جلادوه في لحظة فارقة من الزمن، لتنطوي صفحة طويلة من صفحات العراق التي شغلها مستر فيكتور طيلة ما يزيد على ثلاثة عقود.

مسرّبو الثواني الأخيرة من موته لم يدركوا على ما يبدو أثر التسريب الفيلمي الذي قاموا به؛ فالإعلام المرئي والصورة الناطقة أبلغ أثراً من الكلمة المطبوعة أو المسموعة، وصدام حسين كان يرى بعينيه ما يدور بخواطر الآخرين وما يفعلونه وكان لديه هاجس مدرَّب بأنه أمام آخر امتحان عسير، ويعرف أن عليه أن يستثمر آخر ما عنده من أسلحة هي بيد الآخرين وليست بيده: سلاح الصورة..

التصوير الرسمي حجب الصوت وهو حجب قسري لا يعني شيئاً، فمشاهدو الإعدام يصطفون خلف عشرات اللغات والأمزجة واللهجات والنوايا، لذا كان الأثر الأول في بث اللقطات أثراً نفسياً: أن نرى حياً ميتاً وحبل الثيران يلتف على عنقه؛ تبعه أثر مزدوج: عصبي وقبلي كان يمكن أن يظل في محيط الدائرة القطرية ودائرة الوطن، لكنه خرج إلى محيط دائرة أوسع وأشمل وأعم، بسبب التصوير الآخر: التصوير غير الرسمي: تصوير كاميرا الموبايل التي أخرجها حرّاس غرفة الإعدام إلى العالم لنوايا ليست مفهومه حتى الآن ولم يكشف عنها التحقيق الحكومي المزعوم؛ هذا التصوير ترك أثراً اكبر وأقسى، فقد صاحبته الكلمة والصوت الهستيري كما صاحبته ردود مستر فيكتور الباردة، مما عُدّ إهانة للمحكوم وخرقاً لحقوق الموتى الأحياء !

كان مستر فيكتور في لحظاته الأخيرة عارفاً بالجهل الذي يحيط بحراسه وهم يلتقطون لموته صورة سريعة، غير رسمية، لذا آثر أن يتماسك قبل أن يطبق على رقبته حبل المشنقة ويشيع سجانيه بابتسامة اكتنفها الذهول والسخرية واليأس أيضاً، كأنما يتقصد أن يترك في الذاكرة ذنوباً لم يرتكبها !! وكان حراسه يستعجلون موته القادم من أجل لحظة تصوير متشفية (ربما مشتراة) لكنها ظلت لحظة بقاء لديكتاتور كان قد أجهز على كل شيء أيام حكمه الدموي.

اللقطات الفيلمية لكاميرا الموبايل وهي تسجل بالصورة والصوت آخر الثواني الحية في حياة صدام حسين؛ وإنْ كانت مشوشة، قلقة، ليس فيها الوضوح الكافي المُدَرّب ولا الاحتراف المطلوب، كانت كافية أن تسجل لقطة البقاء الأعزل لطاغية أراد في لحظة الإعدام أن يلعب مع الموت ويلعب مع جلاديه لعبة البقاء الأخير، مستغلاً جهل المصورين من الحراس وفوضى المكان الذي اكتظ بالملثمين.

يد الموبايل المرتعشة كان لها (هدف) ما؛ لكنه أنتجت صورة قوية مؤثرة في الرأي العام وأحرجت الحكومة التي أنتجت صورة محترفة، لكنها ظلت ناقصة، خالية من الفعل الدرامي. والاحتراف الرسمي لن يشفع للحكومة أنها كانت على موعد مع فضيحة عدّتها جزئية وهي ليست كذلك؛ فصورة الموبايل الصغيرة، المشوشة، أجهزت على خطتها بالكامل وأوقعتها في فخ كبير.

waridbader@yahoo.com