بصخب غير مسبوق وفوضى إدارية وإعلام مسموع وصورة مرئية متقنة الوضوح تم شنق مستر فيكتور علناً بحبل غليظ يكفي لإعدام عشرة ثيران مرة واحدة! ولأن (الهدف) تحقق بشكل ثأري كما يصفه الكثيرون، فلا يهم (شكل) النتائج وردود الأفعال؛ فالعدالة هكذا؛ اقتضت أن يلفظ مستر فيكتور أنفاسه مع صباح العيد ويختتم حياته بطريقة ملتبسة على البعض وغامضة على البعض الآخر ومثيرة على طرف ثالث.
بين الالتباس والغموض والإثارة كان مستر فيكتور واثقاً من نهايته، لكنه أرادها على طريقته، عندما عرف أن لعبة موته سيشاهدها العالم وأن أنوار الكاميرا العلنية كشفت له انه سيبقى في اللقطة الأخيرة؛ تلك اللقطة التي طالما حلم بها وتمناها، لاسيما بعد اصطياده كجرذ عجوز في حفرة العنكبوت الشهيرة.
عرف مستر فيكتور أن (الصورة) آخر سلاح يقاتل به (أعداءه) بعد موته، ولم يعرف سجانوه أهمية أن يكون مستر فيكتور «باسماً» في لقطة الموت الآتية وأن يتحلى بهدوء أعصاب باردة، لذلك وقع المحظور بعد موته وانعكست الصورة من جديد إلى غير غاياتها، وزادها سوءاً ما تسرب في اليوم التالي من صور فيلمية صغيرة الحجم أُخذت عبر عدسة موبايل سرية لأحد حراس غرفة الإعدام، لتكون الصورة بمجملها سلاحاً أكثر خطورة ومضاء وبقاء وتأثيراً وتبقى الثواني الأخيرة من حياة مستر فيكتور من أكثر الثواني ضجة واستنفاراً نفسياً لمن شاهدها، وهي التي تمسك ويتمسك بها مَن له رأي آخر بالحكومة التي أعدمت هذا السيد العجوز.
هل نحن في عصر الصورة حقاً؟
وهل ستتوارى الكلمة خلف عدسات التصوير!
الأمر يحتمل وجهات نظر متعددة، لكن بالضرورة أثبتت الصورة أنها قادرة على أن تقول ما لا تستطيع الكلمات أن تقوله في مواقف خطيرة وحرجة ومفاجئة، لأنها ببساطة لا تحتمل التدليس والكذب؛ ففصاحة الصورة تنبئ عن عصر الرؤية المباشرة التي تخترق الحُجُب وتكشف المستور لتصل الى الحقيقة أينما كانت. عصر الصورة كشف لنا أولاً بأول هزيمة إسرائيل أمام صمود المقاومة اللبنانية، حينها لم يستطع الصهاينة إخفاء مرارتهم أمام قوات شعبية لم تمتلك الطائرات العملاقة ولا الأسلحة الفتاكة.
وعصر الصورة جذب الهواة لتسجيل ثورة تسونامي في لحظاته الهائجة، وكما يحصل في كل مكان من العالم، فقد تتوارى الكلمات أمام وقائع الصورة المباشرة سواء كانت محترفة أم لا وقد تلتقي معها في ذات اللحظة لاستكمال المشهد العابر أو المشهد التاريخي الثمين ؛ كما حصل مع لحظات إعدام مستر فيكتور حينما كان الجلادون يخاطبونه ويرد عليهم في مشهد سوداوي لن يتكرر.
سحر الكاميرا يعرفه مستر فيكتور وهو الذي تعايش معه أكثر من ثلاثة عقود، وسطوع الضوء الذي أنار غرفة الإعدام كشف للضحية مشاهد من جلادين ملثمين حرصوا أن لا يكشفوا وجوههم أمام سطوع الأضواء؛ وكانت اللحظة مرتبكة بين أقدام الجميع، والسيد العجوز المتضامن مع نفسه حتى الثانية الأخيرة حرص هو الآخر أن يبقى مفتوح العينين، حاسر الوجه: أليرى موته هو! أم ليراه الآخرون لغاية في نفسه!
يتبع......
aridbader@yahoo.com